رأي

في العالم اليوم.. لا خطوط حمراء ولا خضراء

كتبت سعاد فهد المعجل في صحيفة القبس.

لم تعد هنالك قواعد سياسية ثابتة، نصحو يومًا على طبول حرب تُقرَع، ويأتي اليوم الثاني بتحوّل جذري في نبرة القرار، بحيث يغيب معه شبح الحرب.
لم نعد نعلم إن كانت الحرب في أوكرانيا ستنتهي أم لا، ولا نعلم كذلك إن كان «سلام» غزة سيستمر أم سيتحول الى بركان يطوي لهيبه بقاعاً أخرى غير غزة.

بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدًا بعد 1945، كان هنالك نظام دولي واضح، مقارنة بالنظام القائم الآن، كان بالإمكان التنبؤ بالأحداث الى حد ما، وكانت قراءة المسارات السياسية سهلة الى درجة معقولة، لم يكن الغموض واللارؤية سائدين بالشكل الذي هما عليه اليوم، كان العالم حينها ثنائي القطبية، العداءات واضحة والتحالفات بالكاد تتغير، كانت هنالك الولايات المتحدة في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وكان الناتو مقابل حلف وارسو، كانت الخطوط الحمراء واضحة، والخضراء هي الأخرى واضحة، الكل حريص على عدم الانزلاق في حرب عالمية أخرى، والجميع متعهد بعدم تكرار تجارب فاشية جديدة. كان القانون الدولي، وحقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة مرجعيات حقّقت شيئا من المصداقية في أكثر من حالة، كما حدث مثلاً في أزمة الصواريخ الكوبية.

اليوم تغيّر الحال تمامًا، فلم تعد هنالك قيم عالمية مُتّفق عليها ومعمول بها من كافة الأطراف، بل وحتى القيم العالية كالديموقراطية، وحقوق الإنسان، وحماية المدنيين في الحروب، وقداسة المستشفيات ودور العبادة، كلها لم تعد فاعلة، بل تحولت الى ادوات ضغط ومشاريع هيمنة بلا قيمة سياسية، وأصبح معها تصنيف الدول الديموقراطية والدول الاستبدادية رهن قرارات سياسية خارجية لا علاقة لها بحق الشعوب في تقرير مصيرها ومسارها واختياراتها، فأصبحت معها كل تلك القيم أدوات لمعاقبة «الخصم» أو «العدو»، وبالتالي نزع الشرعية السياسية عنه، وبشكل أدى الى تفريغ الديموقراطية، مثلاً، من معناها ومفهومها القيمي الأساسي.

العالم اليوم يعود، وبشكل غير مباشر، الى الخطاب الاستعماري القديم، مع تغيّر بسيط في المسميات لا أكثر، يعود العالم معه الى فكرة التفوّق الأخلاقي أو القيمي بين دول وأنظمة «متحضرة» تستحق الديموقراطية والحرية، وبين دول متخلفة وعاجزة عن إدارة شؤونها، وبالتالي تكون معها مُهمّة المجموعة الأولى مهمة أخلاقية وليست جريمة سياسية.

في مناخ كهذا، يكون من الصعب جداً التنبؤ بالمسارات السياسية، أو بالحروب أو بتداعيات الأحداث، فبينما كان العالم في السابق محكومًا بتحالفات مستقرة وبمصالح محدّدة وواضحة، الأعداء فيها واضحون والحلفاء كذلك، أصبح اليوم محكوماً بتحالفات وقتية، وقرارات آنية، تتحكّم فيها وتديرها الأزمات المتسارعة، اقتصادية كانت أم سياسية، يلعب فيها الإعلام الدور الأبرز كأداة ضغط فاعلة، ويتداخل فيها القرار السياسي بمصالح شركات ضخمة تعمل في مجالات حساسة، كشركات التكنولوجيا والمنصات الإعلامية واللوبيات المالية، وبالطبع، جميعهم يجمعهم قاسم مشترك لا علاقة له بالتحالفات السياسية التقليدية ولا بالصراعات المعتادة.

اليوم، لا يمكن التنبؤ بالأحداث السياسية بدقة، كل شيء أصبح متوقعًا، خطوط حمراء سرعان ما تصبح خضراء، ومبادئ تُنتَهَك بجرة قلم، وخطاب سياسي غير موثوق، حتى أصبحت «الحقيقة» السياسية كالسراب، تتنافس حولها سرديات مختلفة، لكل منها خطه ومشروعه وهدفه.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى