رأي

فلسطين الدولة.. الاعترافات وما بعدها

كتب محمد خالد الأزعر, في البيان:

عند إبرام اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993، كانت 90 دولة، بما يعادل 50% تقريباً من أعضاء الأمم المتحدة، تقر بأحقية الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وتعترف بفلسطين وعاصمتها القدس الشريف دولة مستقلة تحت الاحتلال في حدود 1967.

وقتذاك، ولا سيما غداة نشوء سلطة الحكم الذاتي في رام الله عام 1994،عاشت الحالة الفلسطينية أجواء من الانتعاش بقرب انبلاج فجر الاستقلال، وفق أسلوب الخطوة خطوة واستراتيجية خذ وطالب، على غرار بعض النماذج الأخرى التي عرفت ثنائية الاستعمار والتحرير.

وكان ينظر للصعوبات والرياح غير المواتية التي كانت تعصف بتلك الأجواء، وأبرزها ديمومة موجات الزحف والتوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي المرشحة لفلسطين الدولة وعاصمتها، على أنها أمور محتملة الحدوث، مردها خصوصية التجربة الذاتية مع استعمار استيطاني شرس.. وكان الرأي الفلسطيني السائد هو ضرورة التصدي لتلك الموجات، إلا أنه لا ينبغي لها أن تشكل سبباً للقطيعة الكلية مع «حل الدولتين»، المحفوف برعاية وإجماع شبه عالميين.

كأن المفاوض الفلسطيني استفاق، وإن متأخراً، لنقيصة خلو صيغة أوسلو وتوابعها من النص على وقف الاستيطان تماماً، أثناء التفاوض على التسوية بشقيها المرحلي والنهائي.. وقد حاول مراراً استدراك هذه النقيصة في أكثر من جولة تفاوضية، كان آخرها بين يوليو 2013 وأبريل 2014.

لكن فشله في ذلك لم يصرفه عن نهج المفاوضات من الأصل، وكان مما يعزيه في الاستعصام بهذا النهج التعاطف واسع النطاق على كل صعد القوى الفاعلة، إلا قليلاً جداً منها، فضلاً عن القانون والتنظيم الدوليين، مع التكييف الفلسطيني لحل الدولتين، المقترن بإدانة السياسات الإسرائيلية الأحادية.. وأهم من ذلك، توالي زيادة عدد المعترفين بفلسطين الدولة، وفقاً لهذا التكييف، والتي بلغ مجموعها الآن 160 دولة، يمثلون 80% من أعضاء الأمم المتحدة.

مشهد الحالة الفلسطينية في هذا الإطار ينم عن مفارقة تثير التساؤل، عما إن كنا إزاء علاقة عكسية بين ارتقاء الالتفاف العالمي حول كينونة الدولة الفلسطينية من جهة، وبين إيغال إسرائيل في شطب مفردات ومعالم هذه الكينونة وكل ما يسهم في بلورتها، جغرافياً وسكانياً واقتصادياً وأمنياً، من جهة أخرى؟! الملاحظ، بكلام آخر، أن تراكم الاعترافات بفلسطين، الذي بلغ راهناً ذروة غير مسبوقة، لم يصرف إسرائيل عن ثوابت حكوماتها، خلال عهودها المتوالية لنحو ثلاثين سنة، تحت زعامة نتانياهو ورهطه من «المتطرفين»، وفي طليعتهم قطاعات الاستيطان والمستوطنين، وخلاصتها لا لدولة فلسطينية بزعم حل الدولتين، ولا لدولة ثنائية القومية.

مؤدى ذلك أن هدف انبعاث الدولة الفلسطينية يغوص اليوم أكثر فأكثر في مشهد عدمي أو شبه عدمي، فلا تفاوض مباشر أو غير مباشر حوله، ثم إن الجانب الإسرائيلي يكاد ينفرد دون أي روادع ملموسة، ببعثرة أوراق الدولة المأمولة والعبث في أحشاء مكونات اجتماعها السياسي وغير السياسي، وذلك بدون أن يطرح بديلاً مفهوماً لما يريد.. ونظرة عابرة على أوضاع أجنحة فلسطين العتيدة، قطاع غزة والضفة والقدس، تكفي وزيادة لتعظيم التشاؤم إزاء المستقبلين المنظور والأبعد نسبياً لهذا الهدف.

ولعل أحدث موجبات هذا التشاؤم، بالإضافة إلى غموض مآلات الحراكات والتصورات المعقدة الموصولة بأحوال غزة، الهجمة الإسرائيلية السياسية والقانونية واسعة النطاق تجاه الضفة والقدس.. ونعني بها القرارات الحكومية المتخذة في 8 فبراير الجاري، والتي من شأنها تسريع وتعميق التوسع الاستيطاني بلا حدود أو ضوابط في هذين الجناحين، بما يرقى إلى ضمهما وابتلاعهما في جوف إسرائيل بإجراءات ووتائر لم تحدث منذ احتلالهما عام 1967.

لا ندري على أي وجه سوف تستقر هذه المعادلة غير المنطقية، بين الدأب على الاعتراف بفلسطين وتقعيدها على الورق في صلب «المجتمع الدولي» بعواصمه وأطره وأروقته وتنظيماته، وبين الإصرار الإسرائيلي على تغييب فلسطين عملياً على أرض الواقع! لكننا نحسب أن أول المعنيين بهذا الاستفهام هم «المعترفون» أنفسهم، أولئك الذين عليهم، منفردين ومجتمعين، الانتقال إلى الخطوة التالية، الخطوة المتعلقة بكيفية تفعيل اعترافاتهم كي لا تبقى مجرد قفزات في الهواء.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى