ضرب إيران حقيقة أم خداع سياسي

كتب فتحي أحمد في صحيفة العرب.
ترامب ونتنياهو يراهنان على سقوط النظام الإيراني بأدوات محلية أو ضربات محددة مع الحرص على إبقاء إيران موحدة لضمان السيطرة الأميركية الكاملة على مستقبلها.
ينطبق ما يجري اليوم في أصقاع الأرض على ما انبثق عن رواية “مزرعة الحيوانات” من قلق فكري عميق، ملخصها أن جورج أورويل رأى في التاريخ تكرارًا للخيبة، وفي الثورات وعدًا يولد من رحم الجوع لينتهي على عرش جديد. وجاءت في الرواية نبوءة عن مصير الإنسان حين يسلم مصيره لفكرة تُرفع فوق العقل، وعن مجتمع يبدّل سيده ولا يبدّل طبيعته. في تلك المزرعة التي استيقظت فيها الحيوانات على حلم الحرية، تجسّد التاريخ بحلم جديد، وتحول الحلم إلى قفص تتردد فيه أصداء الشعارات فقط.
يلوح في الأفق، حسب بعض المصادر، أن هناك ضربة عسكرية لإيران في قادم الأيام، وهذا يدلل على أن منطقة الشرق الأوسط سوف تكون أرض نزاع وحروب قادمة. فلو نظرنا إلى خريطة الصراع الموجودة اليوم في العالم سنجد أن الكوكب برمته مشتعل: أوكرانيا وروسيا، حرب محتملة بين تايوان والصين، فنزويلا والولايات المتحدة، تهديد ترامب بضم غرينلاند وكندا، فضلًا عن العالم العربي الذي لم يهدأ منذ عقود طويلة؛ حرب في السودان، وليبيا، وغزة، والضفة الغربية المهددة بالضم، وعدم استقرار في تونس، وأيضًا حالة من الثورة المتقطعة في سوريا. هذا الحال يوحي بأن الأمور تتجه نحو حرب عالمية ثالثة.
على ضوء ذلك، هناك سؤال مهم: من يوقف الحرب الدائرة اليوم في العالم ويضع حدًا للتوترات الساخنة هنا أو هناك؟ من يتحكم اليوم في العالم هو أميركا التي يقودها ترامب، والذي ينظر للعالم برمته على أنه مزرعة يذهب حصادها إلى الخزينة الأميركية. عندما هاجمت قوات “دلتا” التابعة للجيش الأميركي فنزويلا واختطفت رئيسها، ثبت للقاصي والداني أننا نعيش في غابة، الكل مذعن للأسد، ولا أحد غير الأسد.
هناك سؤال مهم: من يوقف الحرب الدائرة اليوم في العالم ويضع حدًا للتوترات الساخنة هنا أو هناك؟ من يتحكم اليوم في العالم هو أميركا التي يقودها ترامب
ويرى الخبراء أن الحملة الإسرائيلية، رغم تدميرها جزءًا من البنية التحتية النووية الإيرانية، لن تكون كافية لتصفير البرنامج النووي الإيراني تمامًا، خاصة مع تحصين معظم المواقع النووية في أماكن تحت الأرض وفي مواقع إستراتيجية يصعب الوصول إليها. لهذا يضغط نتنياهو بكل قوته على ترامب لكي ينهي برنامج إيران النووي وطموحها، وفي الوقت نفسه تطلب طهران من الولايات المتحدة الجلوس إلى طاولة المفاوضات للوصول إلى صيغة مشتركة يتوافق عليها الطرفان، وهي الحد من التسليح النووي. لكن هذا لا يرضي إسرائيل، ولا حتى ترامب. هناك مشروع لدى ترامب ونتنياهو وهو القضاء على حكم الملالي بشكل كامل، مع الحفاظ على عدم تقسيم إيران، لأن تقسيمها حسب التقسيمات العرقية قد يؤدي إلى عدم سيطرة الولايات المتحدة على الوضع داخل إيران، وهذا ما لا يريده ترامب.
ترامب وضع نصب عينيه التخلص من حكم الملالي واستبدال النظام. وهذا صحيح، فالعودة إلى نظام الملكية قد تبدو مستبعدة في حال سقوط النظام، فالشعب الإيراني الذي حلم طويلًا بالانعتاق من ظلم الحكام لم يفطن بداية إلى أن هؤلاء الملالي عملوا باسم الدين على التحايل على الجماهير لكسب تأييدهم أو تحييدهم على الأقل من خلال اللعب على أوتار عواطفهم الجمعية، لاسيما وأن هذه السلطة أتت عقب معاناة مريرة مع حكم الشاه، الذي جرّعهم المرّ وأذاقهم ويلات تسلطه وطغيانه. لقد تمكن الشعب الإيراني في ثورته الوطنية من إسقاط الشاه ونظامه، لكن ثورته سُرقت على يد الملالي الذين أصبحوا خلفًا يسير بإخلاص على درب سلفه، فوقع البلد بقبضة الملالي رهينة للدكتاتورية من جديد.
وإذا أمعنا النظر أكثر، فنحن أمام مشهد قريب جدًا من تغيير حتمي سوف يطال رأس الهرم في إيران، وأن تجربة حكم الملالي باتت تشكل خطرًا على مصالح أميركا في المنطقة، فضلًا عن تهديدها لإسرائيل. لهذا يراهن ترامب وإسرائيل على أن يسقط النظام بأدوات محلية، أو يلجأ لضرب الحرس الثوري والاستخبارات الإيرانية وما تبقى من منشآت نووية، لكن مع الحرص على عدم خروج مسار الثورة عن خطها، أي حسب ما تريده أميركا: السيطرة الكلية على من يستلم زمام حكم إيران وخيراتها، والحفاظ على إيران غير مفتتة ومتشرذمة حتى يستطيعوا السيطرة عليها. أما على صعيد عودة النظام الملكي فهذا يعتمد على الجمهور، فالولايات المتحدة تتابع الأمر بشكل جيد، وإذا كانت الأغلبية مع الملكية فلا يُستبعد أن تعود بموافقة أميركية.




