رأي

دافوس… حيث لا أحد

كتب يسري الغول, في الميادين:

الشباب العربي لديه من الإبداع الكثير ليقدمه، رغم كل عوامل التثبيط والهدم، لكن عليه أن يخرج من بوتقة التبعية العمياء والعصبية الجاهلية، وصولًا إلى ترتيب الأولويات وتحديد الأهداف بشكل جيد.

دُعيت مؤخرًا من قِبل برنامج القادة العالمي (YGL) المنبثق عن منتدى الاقتصاد العالمي، للمشاركة في حضور جلسات البرنامج على هامش اجتماع دافوس السنوي، حيث إنني مؤسس محور غزة المنبثق عن ذات الجسم أيضًا، وقد حظيت بفرصة حضور العديد من الجلسات التي أثارت دهشتي، إذ إن كمية التناقض لم تمنع كل هؤلاء من الاجتماع والجلوس على الطاولة للتناظر، في الريادة والاقتصاد والتنمية المستدامة والذكاء الاصطناعي وغيره.

وقبل الخوض في غمار تلك الجلسات، وددت الإشارة إلى أنني التقيت قبيل مغادرتي دافوس بالسيد برهم صالح، الرئيس العراقي السابق من أصل كردي والمفوض العام الجديد لشؤون اللاجئين (UNHCR) حيث تحدث مطولًا عن أزمات اللجوء وعمل الأمم المتحدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، من دون الإشارة إلى ما يجري في قطاع غزة بأي كلمة، رغم معرفته بما قامت به دولة الاحتلال تجاه وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، ورغم علمي أن المفوضية كيان منفصل عن الأنروا.

أثناء مداخلتي لم أجبن عن الحديث أمامه، من أنني مصدوم لأن أياً من المتحدثين في الجلسة لم يشيروا -ولو بكلمة- إلى ما يجري في قطاع غزة، رغم حديثهم الفضفاض حول خدمة اللاجئين والمشاريع التي يقدمونها، وعند انتهاء الجلسة، هرعت نحوي مديرة مكتب السيد صالح التي تتحدث العربية قليلًا، وأخبرتني أنه حديث العهد بالعمل في المفوضية العامة، وهي تعرف المعوقات في غزة بشكل أكبر، لكنهم سيعملون كل شيء من أجل الأبرياء هناك؛ وقبل أن يغادر المفوض العام، سلّمت عليه، فقال لي بالعربية: ما تقلق، إن شاء الله خير… وهنا لا بد من الإشارة إلى نقيضين: الأول هو عدم اهتمام العالم بما يجري هناك، في مدينتي الحبيبة المدمرة أو حتى في لبنان وسوريا، حتى من الأشقاء العرب الذين كان حضورهم باهتًا للأسف، والثاني هو أهمية صوتنا كي يصل إلى أصقاع العالم من دون خوف من أحد، فنحن اليوم أقوى من أي وقت مضى لطرح مظلوميتنا والمطالبة بحقوقنا العادلة.

وبعيدًا عن الحالة الفلسطينية، فقد وجدت أن الهدف الأساس لدى أصحاب رأس المال والشركات وكذلك الزعماء، هو الابتكار بدافع الفضول لا بدافع الحاجة، كما جرى مع أهل غزة الذين صاروا يبتكرون الأشياء لأن حاجتهم لها شديدة جدًا، ورغم تأثيرها السلبي على الصحة كاستخراج المازوت والبنزين وغيره من الوقود، إضافة إلى ابتكار وسائل تشغيل مولدات الطاقة وإنارة الخيام وشحن الهواتف المحمولة وغيرها من الوسائل لأن الحاجة أم الاختراع.

وهنا في دافوس، يقدم أصحاب الياقات العلم على كل شيء، من دون اهتمام بالجنس أو اللون أو الدين أو العرق أو حتى المكان الذي جاء منه هؤلاء الأشخاص، إلى درجة أنك تكتشف أن هناك مواقع (Houses) جلسات للبرازيل وروسيا والهند قريبًا من بلدان تحمل النقيض في كل شيء، المهم كيف يمكن لكل جهة أن تسوّق مشاريعها وشركاتها وطموحاتها خلال الأعوام القليلة المقبلة، خصوصًا مع وصول البشرية إلى مرحلة مربكة ومخيفة من التطور والنهضة في مجال الذكاء الاصطناعي. ولعل أكثر ما لفت انتباهي هو تقديم تلك البلدان للمبدعين والمبدعات الشبان، من دون النظر إلى أعمارهم، أو الخلفيات الثقافية أو الطائفية التي جاؤوا منها، ولعل الهند أكبر مثال على تلك القضية.

رأيتهم يتنقلون من جلسة إلى أخرى، يسيرون بين الثلج من فندق أو بيت أو كازبنو إلى آخر، يتبادلون الخبرات، يستمع بعضهم إلى البعض الآخر بشغف، يناقشون ويحللون، ثم يتبادلون العناوين ووسيلة التواصل، التي لفتت انتباهي إلى أنهم لا يتعاملون خلالها بمنصة إكس أو الفيسبوك أو حتى الواتسآب، وإنما موقع لينكد إن، وهو ما قد لا نجده في منطقتنا العربية للأسف، حيث المحتوى الحقيقي لهؤلاء يظهر من خلال تلك المنصة التي يتقدم الأشخاص خلالها بخبراتهم أو فرصهم للحصول على عمل.

وأمام حجم التناقضات، توقفت مع نفسي قليلًا، وتساءلت: لماذا يعاني العربي من عقدة تخوين الآخر وتكفيره، إلى درجة أن وصل الحال إلى استعداء الأخ وابن الأرض والجار العربي، رغم أننا أهل لغة وتاريخ وهوية ودين واحد، بينما يحلم العربي ذاته، المتجهم غالبًا نتيجة الحال المتردي، الصلف في نظرته تجاه الفكر المختلف، بالسفر إلى بلاد الغرب التي يتهمها بالمادية الديالكتيكية الفاسدة، وقد غرقت بلادنا بالكراهية والدم؟ لماذا نتصارع من أجل الماضي والقتال لأجل أشخاص قضوا بعيدًا عن عالمنا، بينما يسابق الآخرون الزمن ليصنعوا نهضة تأخذهم إلى المقدمة؟ لماذا نعيش في أتون التراث بينما نتصارع في الوقت ذاته لشراء الأجهزة الذكية ووسائل التكنولوجيا الحديثة؟ حتى الملابس تأتينا من بلاد نتهم أهلها بأنهم أهل النار واللظى ونحن -العالة على البشرية- أهل الجنة والنعيم، رغم أننا لم نفعل شيئاً، بل إننا نحارب المفكرين والمثقفين والأدباء الذين يقاتلون من أجل الحداثة، نتهمهم بأنهم يجلدون الذات وينظِّرون لأفكار تغريبية فاسدة.

ما جرت ملاحظته أيضًا خلال تلك الجلسات، أن الأجيال الجديدة أكثر إبداعًا وقدرة على الانسجام مع الحداثة، بينما يقود كبار السن كوكبنا إلى الهاوية، ولقد وجدت معظم أصحاب رؤوس الأموال من الشبان الذين لم تتجاوز أعمارهم الأربعين سنة، يؤسسون الشركات ثم يبيعونها بملايين الدولارات، يفكرون كيف سيكون شكل العالم خلال السنوات العشر المقبلة، يقولون: ستتوقف 90% من الوظائف؟ إذا ما هي البدائل المتاحة؟ وكيف يمكن دمج الإنسان مع الواقع الجديد؟ وما هي الوظائف التي لا يمكن الاستغناء عنها؟

ولقد وجدت في حوارات هؤلاء الشبان، الوعي والنضج والحرص، بخلاف معظم شبان المنطقة العربية الذين يركزون على البلاغة والجعجعة أحيانًا، لا على النتائج والمخرجات، ولعل هذا الأمر هو ما أفرزته الحالة السياسية الرثة في عالمنا العربي المزيف، إذ إن المبدعين الحقيقيين يقبعون في السجون أو ينزوون في وظائف بيروقراطية قاتلة أو في أحسن الأحوال، يهاجرون إلى بلاد الغرب، يبيعون أحلامهم وأفكارهم وطموحاتهم بأثمان زهيدة، في الوقت الذين كان بإمكانهم صناعة مجد لأمة أتخمتنا حديثًا عن أنها كانت خير أمة، وهي تجلد هذا وتصارع ذاك، تهمّش هذا وتقدم ذاك المتزلّف أو المتحذلق أو ابن التنظيم الأكثر ولاءً، لا الأكثر معرفًة ووعيًا ونهضة.

ولعل أكثر ما لفت انتباهي قبل عودتي من دافوس إلى مدينة مورج التي أعيش فيها حاليًا، هي أن الفنادق كما البيوت، بأثاث متواضع جدًا، وشكل بسيط، لا تكلّله البهرجة التي اعتادها العربي ، فلون أبيض عادي جدًا مع ترصيع جد متواضع، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن جاري الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء، يعيش معنا في ذات الحي، في بيت متواضع، ربما جرى بناؤه قبل مئة عام، لديه سيارة موديل 2018 ربما، ويخرج بلا مرافقين، ويمشي في الأسواق، كأنه أقل من إنسان عادي.

وختامًا، نحن يجب ألّا نعلّق الفشل على أي شخص أو حتى أي حدث أو أي جريمة، لأن الإنسان هو الذي يصنع ظرفه ومكانته، يقاتل لأجل تحقيق ذاته، بدلاً من ندب الحظ أو الانزواء، والإنسان الحر هو الذي ينتقل بشعبه ومجتمعه نحو النهوض والرفعة، لا البقاء في منطقة الركود (Comfort zone) أي المنطقة الدافئة.

والشباب العربي لديه من الإبداع الكثير ليقدمه، رغم كل عوامل التثبيط والهدم، لكن عليه أن يخرج من بوتقة التبعية العمياء والعصبية الجاهلية، وصولًا إلى ترتيب الأولويات وتحديد الأهداف بشكل جيد، مع تنظيم عامل الوقت والمكان، كي نعود مجددًا إلى صدارة الأمم.

لعلّنا نستطيع ذلك، المهم أن نتمسك بزمام المبادرة، وأن نبدأ.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى