خمسة عشر عامًا بعد فبراير… ليبيا بين المصالحة والانقسام

كتب صلاح الهوني في صحيفة العرب.
ليبيا ليست مجرد دولة تعاني من الانقسام بل هي اختبار لإمكانية نجاح التسويات الأممية في مناطق النزاع وإذا فشلت هذه التجربة فإن مصداقية الأمم المتحدة نفسها ستكون على المحك.
ليبيا تدخل عام 2026 وهي تحمل على كتفيها ثقل خمسة عشر عامًا من الثورة والانقسام، وتستعد لإحياء الذكرى الخامسة عشرة لثورة السابع عشر من فبراير في وقت تقف فيه البلاد على حافة منعطف سياسي حاسم. هذه الذكرى لا تأتي في سياق احتفالي ولا في أجواء استقرار، بل في ظل تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متفاقمة تجعل السؤال المطروح أكثر إلحاحًا: هل تكون هذه المحطة فرصة لإعادة البناء والمصالحة، أم مجرد تذكير باستمرار الانقسام وتعمق الفوضى؟
المشهد الليبي اليوم يعكس حالة من التشظي السياسي والمؤسسي لم تعرفها البلاد منذ عقود. الانقسام بين الشرق والغرب ما زال قائمًا، والحكومات المتنافسة تتنازع الشرعية، فيما المؤسسات الرسمية تراجعت إلى دور الوسيط بين قوى متنازعة أكثر منها سلطة قادرة على فرض القانون. في الجنوب، الحدود مفتوحة أمام تهديدات أمنية متكررة، والمرتزقة والمجموعات المسلحة يتنقلون بين المعابر وكأن الدولة غائبة. الاقتصاد بدوره يعاني من شلل مزمن، حيث تعطلت المشاريع التنموية وتراجعت الخدمات الأساسية، فيما يعيش المواطنون على وقع أزمات معيشية خانقة رغم الثروة النفطية التي كان يُفترض أن تكون مصدرًا للرخاء.
في هذا السياق، تطرح الأمم المتحدة خارطة طريق جديدة تهدف إلى إنهاء الأزمات الليبية وتمهيد الطريق نحو انتخابات مصيرية تعيد بناء الشرعية السياسية. هذه المبادرة الأممية تمثل فرصة نادرة لإعادة توحيد المؤسسات الليبية ووضع حد للانقسام، لكنها في الوقت نفسه تواجه تحديات جسيمة. الانقسامات الداخلية العميقة، وغياب الثقة بين الأطراف، واستمرار التدخلات الخارجية، كلها عوامل تهدد نجاح هذه الخارطة وتجعلها أقرب إلى محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. المجتمع الدولي يضغط باتجاه الحل، لكن الضمانة الحقيقية تبقى في قدرة الليبيين أنفسهم على تجاوز خلافاتهم ووضع مصلحة البلاد فوق مصالح الفصائل.
الذكرى الخامسة عشرة للثورة يجب أن تكون لحظة مراجعة فالثورة التي انطلقت بشعارات الحرية والعدالة والكرامة تحولت إلى مسار طويل من الانقسامات وأصبحت البلاد ساحة لتدخلات إقليمية ودولية
القضاء هنا يبرز كاختبار حاسم للشرعية. تقارير دولية حذرت من أن استمرار استهداف استقلالية القضاء سيقوض أي تسوية سياسية ويزيد من خطر الانقسام. القضاء ليس مجرد مؤسسة إدارية، بل هو الركيزة التي تقوم عليها أي عملية انتخابية أو مصالحة وطنية. إذا فقد القضاء استقلاليته، فإن أي انتخابات ستفقد معناها، وأي تسوية ستتحول إلى مجرد اتفاق هش لا يصمد أمام أول أزمة. حماية القضاء من التدخلات السياسية والفصائلية هي شرط أساسي لبناء دولة حديثة، وأي تجاهل لهذا الشرط يعني أن ليبيا ستظل عالقة في دوامة الفوضى.
لكن ليبيا ليست معزولة عن محيطها. استمرار الأزمة ينعكس مباشرة على دول الجوار مثل تونس والجزائر ومصر، ويؤثر على ملف الهجرة غير النظامية نحو أوروبا. البحر المتوسط أصبح في السنوات الأخيرة مسرحًا لموجات متزايدة من المهاجرين، وليبيا كانت دائمًا نقطة عبور رئيسية. أي انهيار إضافي في مؤسسات الدولة سيضاعف هذه الأزمة ويجعلها أكثر تعقيدًا، وهو ما يفسر الاهتمام الأوروبي المتزايد بالملف الليبي. بالنسبة للمجتمع الدولي، ليبيا ليست مجرد دولة تعاني من الانقسام، بل هي اختبار لإمكانية نجاح التسويات الأممية في مناطق النزاع، وإذا فشلت هذه التجربة فإن مصداقية الأمم المتحدة نفسها ستكون على المحك.
الذكرى الخامسة عشرة لثورة فبراير يجب أن تكون لحظة مراجعة عميقة. الثورة التي انطلقت بشعارات الحرية والعدالة والكرامة تحولت إلى مسار طويل من الانقسامات والصراعات، وأصبحت البلاد ساحة لتدخلات إقليمية ودولية. السؤال اليوم ليس عن شرعية الثورة، بل عن كيفية استعادة الدولة. هل يمكن لليبيين أن يتجاوزوا الماضي ويبنوا مستقبلًا قائمًا على المصالحة؟ أم أن الانقسامات ستظل أقوى من أي إرادة سياسية؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مصير ليبيا، بل أيضًا مستقبل المنطقة بأسرها.
التاريخ يقدم أمثلة صارخة على ما يمكن أن يحدث إذا فشلت المصالحة أو نجحت. دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة استطاعت أن تحول مواردها المحدودة إلى قصص نجاح تنموي بفضل الاستقرار السياسي والإرادة الوطنية. في المقابل، دول غنية بالموارد مثل فنزويلا غرقت في أزمات اقتصادية واجتماعية بسبب الانقسامات الداخلية وسوء الإدارة. ليبيا تقف اليوم أمام تجربة مشابهة، حيث يمكن أن تتحول إلى نموذج للنهضة إذا نجحت في تحقيق المصالحة، أو إلى نسخة جديدة من الدول الفاشلة إذا استمر الاقتتال.
ما يواجه ليبيا اليوم ليس مجرد امتحان أخلاقي، بل اختبار إستراتيجي لمستقبلها. فالثروة وحدها لا تصنع نهضة، والاستقرار لا يُشترى بالمال، والمصالحة لا تُفرض بالشعارات
الاستقرار في ليبيا لن يكون مجرد غياب للحرب، بل بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة التنوع الاجتماعي والسياسي. المجتمع الليبي متعدد الطوائف والقبائل والانتماءات، وهذا التنوع يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير بشكل صحيح، لكنه يتحول إلى مصدر صراع إذا تُرك بلا إدارة. المصالحة الوطنية هي السبيل الوحيد لتحويل هذا التنوع إلى طاقة إيجابية، وهي وحدها القادرة على خلق بيئة يشعر فيها المواطنون بأنهم شركاء في الدولة، لا مجرد رعايا لفصيل أو طائفة.
العقبة الكبرى تبقى في الإرادة السياسية. كثير من القيادات الليبية ما زالت أسيرة حسابات ضيقة، ترى في استمرار الانقسام وسيلة للبقاء في السلطة، حتى لو كان الثمن انهيار الدولة. هذه العقلية هي التي يجب أن تتغير، لأن العالم لم يعد يحتمل دولًا غارقة في الفوضى، ولا شعوبًا تعيش على هامش التنمية. في عصر العولمة، حيث تتنافس الدول على جذب الاستثمارات وتطوير التكنولوجيا، يصبح الاستقرار شرطًا أساسيًا لأي نهضة، وأي دولة لا تحقق هذا الشرط ستجد نفسها خارج السباق.
الفرصة التاريخية التي تملكها ليبيا اليوم ليست مجرد فرصة اقتصادية، بل هي فرصة سياسية أيضًا. العالم يتغير بسرعة، والتحولات الجيوسياسية تفتح المجال أمام أدوار جديدة للدول العربية إذا نجحت في تحقيق الاستقرار الداخلي. الطفرة النفطية يمكن أن تكون أساسًا لبناء قوة إقليمية قادرة على التأثير في النظام الدولي، لكن هذا يتطلب أولًا إنهاء النزاعات الداخلية، لأن العالم لا يتعامل مع دول ممزقة، بل مع كيانات مستقرة قادرة على الوفاء بالتزاماتها.
الخطر الأكبر هو أن تُهدر هذه الفرصة في إصلاح دمار كان بالإمكان تجنبه. إذا استمرت الحروب الأهلية، ستُستخدم الثروات لإعادة بناء ما تهدم، بدلًا من الاستثمار في المستقبل. هذا السيناريو ليس افتراضيًا، بل هو واقع عاشته ليبيا خلال العقد الماضي، حيث أنفقت مليارات الدولارات على إعادة الإعمار دون أن تحقق أي تقدم حقيقي، لأن النزاعات لم تنتهِ، ولأن المصالحة لم تتحقق.
إن ما يواجه ليبيا اليوم ليس مجرد امتحان أخلاقي، بل اختبار إستراتيجي لمستقبلها. فالثروة وحدها لا تصنع نهضة، والاستقرار لا يُشترى بالمال، والمصالحة لا تُفرض بالشعارات. ما يصنع الفارق هو القدرة على تحويل هذه اللحظة التاريخية إلى مشروع جامع، يضع مصلحة الشعب فوق مصالح الفصائل، ويجعل التنمية هدفًا مشتركًا لا ساحة صراع. الطفرة النفطية قد تكون جسرًا نحو مستقبل أكثر إشراقًا، لكنها قد تتحول أيضًا إلى وقود لإعادة بناء ما تهدم إذا استمر الاقتتال. الزمن هنا ليس محايدًا؛ إنه يضغط ويضيّق النافذة المتاحة. وإذا لم تُستثمر هذه الفرصة سريعًا، فإن التاريخ سيغلق أبوابه، تاركًا البلاد أمام عقود جديدة من التراجع والضياع. الخيار إذن ليس بين الخير والشر، بل بين نهضة تُبنى على المصالحة، وفوضى تُكرّس الانقسام. وما سيُكتب في السنوات المقبلة لن تحدده الأسواق وحدها، بل إرادة سياسية تعرف أن الشعوب لا تنتظر إلى الأبد.




