رأي

حذار من عالم أحادي القطب

كتبت ربى عياش في صحيفة العرب.

العالم القادم يبدو مرعبًا حيث يمكن التنبؤ بعالم تحدد مصيره جهة واحدة عالم استهلاكي مستعبد من قبل سلطة واحدة يتم ربطه بالمزيد من الديون والفوائد والقروض.

اليوم، ونحن نتابع أحداثًا غريبة ومتسارعة في العالم، آخرها سقوط الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تتضح حقيقة لا يمكن تجاهلها: نحن نعيش في ظل إدارة عالمية تسعى لتفكيك العالم وإعادة تشكيله كما تشاء. هذه الإدارة لم تظهر بين ليلة وضحاها، بل استمرت منذ عقود، وربما قرون متواصلة، في تعديل النظام العالمي وفق مصالحها الخاصة، وفرض قوانينها على كل من يقف في طريقها.

بالطبع، الرئيس مادورو ليس مثالًا مثاليًا للحكم؛ قد يصيب وقد يخيب، وربما ليس أفضل حاكم لفنزويلا، وهذا أمر يقرره شعبه، ويمكن مناقشته والتعمق فيه لاحقًا. لكن لا شيء يبرر أن يتم الإطاحة برئيس دولة بهذا الشكل، وأن تعتبر بعض القوى نفسها الحاكمة باسم العالم لتغيير ما تشاء. هذا السلوك يثير التساؤلات عن مدى خطورة النظام العالمي الحالي، وعن مدى شرعية الجهات التي تتصرف وكأنها الحاكم الوحيد للعالم.

تمامًا كما حدث في العراق سابقًا، حين غزا الحلف الأنجليو-أمركي البلاد ودمرها إلى حيث لا عودة، ثم ظهر بوريس جونسون بعد عشرين عامًا ليقول في مقابلة: “غزونا للعراق كان خطأ”. تدمير البلاد بمؤسساتها وأهلها ورزقهم ومستقبلهم، وما أرغم أجيالًا لاحقة على دفع الثمن من حياتها حتى يومنا هذا، يُوصف كخطأ. وتمامًا كما تم تدمير الشرق الأوسط وتحويله إلى جحيم لأهله، بحجة حماية الناس من أنظمة غير شرعية، ثم خلق فراغ لتتفنن هذه الجهات الحاكمة والمسببة للضرر في صناعة الفوضى والرعب والجهل والدمار.

السؤال الأهم: من أنتم لتقرروا من هي الأنظمة الشرعية؟ ومن أنتم لتقرروا أن العالم يجب أن يكون تحت سلطة واحدة وفكر واحد ورأي واحد؟

والسؤال الأهم: من أنتم لتقرروا من هي الأنظمة الشرعية؟ ومن أنتم لتقرروا أن العالم يجب أن يكون تحت سلطة واحدة، وفكر واحد، ورأي واحد؟ إن الأمر يبدو وكأن هناك منظومة عالمية تتخلص من كل من لا يتعاون معها في صفقاتهم، من الغاز إلى الأسلحة وغيرها الكثير، حيث ما خفي أعظم. كل هذه الأنشطة تولد المآسي وتزيد من جحيم الشعوب.

جهات صنعت عالمًا مبنيًا على أكاذيب وهراء، أعظمها كذبة الدولار، حيث أصبحنا نعيش في عالم تحدد ملامحه الورقة الخضراء. والولايات المتحدة ترفض التنازل عن هيمنتها الاقتصادية والأمنية، وترفض كل الجهود التي تحاول الدول الأخرى من خلالها تنظيم نفسها أو التعامل بعملات بديلة بعيدًا عن سيطرتها. جهات تتحكم بالدواء والداء، وتفجر من تشاء وأينما تشاء في كل دقيقة دون حسيب أو رقيب. الولايات المتحدة، من أنتم لتحددوا للعالم شرعيته؟ من أنتم لتقرروا بناء منتجعات على أنقاض رفات أطفال في قطاع غزة؟ ومن أنتم لتعلموا العالم الديمقراطية والأخلاقيات، حيث بنيتم كابوسًا أميركيًا على أنقاض قبائل وشعوب حقيقية، وسرقتم الأرض والشرف والمال والإنسان؟

صدرتم للعالم الحرية الشاذة، وصدرتم الإرهاب، ثم قلتم للعالم: “لنحارب الإرهاب”. داعش، القاعدة، وكل الجهات المتطرفة، أنتم من مولتموها وصنعتموها وزرعتموها، باعتراف من مسؤوليكم، ثم استخدمتم الشرق الأوسط كأرض معركة لأذرعكم. إنها مسرحية كاملة كتبتموها، مثلتموها وأدرتموها، تمامًا كما أبدعتم في صناعة هوليوود.

حتى لو حكم العالم الشيطان، فلا شأن لكم بمحاربته طالما لم يتفق العالم على تعريف الشيطان. ولا يحق لكم أن تقاتلوا أي جهة نيابة عن أي شعب أو دولة. لا يحق لكم تسجيل بطولات على حساب الناس: حياتهم، مواردهم، مستقبلهم، كيانهم، استقلالهم، احترامهم، وشرعيتهم الخاصة. ولن يحق لكم أبدًا أن تصنعوا العالم كما شئتم أنتم.

العالم القادم بهذه التصرفات يبدو مرعبًا، حيث يمكن التنبؤ بعالم تحدد مصيره جهة واحدة، عالم استهلاكي مستعبد من قبل سلطة واحدة، حيث يتم ربطه بالمزيد من الديون والفوائد والقروض، ويتم ربط الأفراد بالمزيد من الحبال. عالم حيث الحريات والأفكار تحددها جهة واحدة، وبذلك لن يكون هناك مساحة للمبادرة، ولا للخيارات المستقلة، ولا للحق في تقرير المصير.

إنه عالم لا مكان فيه لمن يفكر بحرية، عالم تُفرض فيه القواعد من فوق، عالم تصبح فيه السيادة مجرد شعار على الورق، عالم تزداد فيه المآسي ولا يملك أي شعب حماية حقيقية إلا بإرادته ووحدته

لماذا تتهمون الآخرين بالإرهاب إذا ما أرادوا الدفاع عن كيانهم، بينما تصفون ذات التصرفات الصادرة منكم بالبطولة وبالحرية، مع أنكم المعتدي على حدود وكيان الآخرين؟ من ينادي بالحرية؟ الولايات المتحدة؟ التي خلقت من رحمها الازدواجية. كل أفعال الولايات المتحدة لا تُخفي إلا حجم النفوذ الذي تحاول فرضه على العالم، والسيطرة المطلقة على كل قرار اقتصادي وسياسي وعسكري.

سقوط مادورو ليس مجرد حدث سياسي عابر، بل هو رمز لصراع السيادة في عالم يبدو وكأنه يدار بواسطة قوة واحدة. كل من يرفض الخضوع لهذه القوة يُعتبر تهديدًا، وكل دولة تتصرف بشكل مستقل تُعد عدوًا محتملاً. وهذا يفتح الباب لمزيد من الانتهاكات، المزيد من الحروب، والمزيد من المآسي التي لا يخرج منها سوى المتضررون الحقيقيون، وهم الشعوب.

إن ما نراه اليوم يؤكد أن العالم يعيش لحظة حرجة، وأن القرارات الكبرى لا يتم اتخاذها وفق مصالح الشعوب أو العدالة، بل وفق مصالح نخبة عالمية تمتلك القوة والمال والقدرة على فرض إرادتها. نحن أمام عالم يُصنع في الغرف المغلقة، عالم تتحدد فيه الحياة والموت على هواه، عالم تتحكم فيه مصالح الشركات الكبرى والأسلحة والطاقة والاقتصاد العالمي، بينما تُحرم الشعوب من أي دور في تقرير مصيرها والاستفادة من موارد بلادها، بينما هم يهرولون ويستنزفون في محاولة للنجاة والبقاء.

إذا أردنا تجنب كوارث أكبر، علينا أن نفهم هذا الواقع بوضوح، وأن نطرح الأسئلة الصعبة: من يحق له أن يقرر مستقبل العالم؟ من يحق له أن يفرض نظامه على الجميع؟ وهل يمكن لأي شعب أن يعيش بحرية وسيادة في ظل هذه القوة؟ إذا أردتم تفكيك النظام العالمي، فلتبدأوا بتفكيك أنفسكم أيضًا، وتنظيف أيديولوجياتكم.

سقوط مادورو ليس مجرد فشل أو نجاح سياسي، بل هو إنذار للعالم بأن القوة المطلقة في يد جهة واحدة تصنع كابوسًا عالميًا، وأننا إذا لم نحذر، فالعالم القادم سيكون أكثر قسوة وأكثر قهرًا على الشعوب. وما يمكن التنبؤ به أن تسقط البلاد كلها كسقوط الدومينو. لا نحزن على سقوط نظام أو صعود آخر، فكل ذلك – على الأقل في حساباتي – ليس أمرًا مهمًا. المهم هو حق الشعوب في تقرير مصيرها وفرض السيادة على حياتها، والانتفاع من مقدرات بلادها، لا أن تكون تابعة في منظومة ستسرق تاريخها ونضالها وأفكارها وفردانيتها، وتحولها إلى اللاملاح، واللا أخلاق، واللا قيم، واللا حدود واضحة، واللا تضامن، واللا عدالة.

إنه عالم لا مكان فيه لمن يفكر بحرية، عالم تُفرض فيه القواعد من فوق، عالم تصبح فيه السيادة مجرد شعار على الورق، عالم تزداد فيه المآسي ولا يملك أي شعب حماية حقيقية إلا بإرادته ووحدته.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى