ترمب وأميركا اللاتينية

كتب وليد فارس في صحيفة إندبندنت عربية.
بعد العملية الخاطفة التي نفذتها القوات الخاصة الأميركية، بتنسيق مع البحرية والطيران، التي أدت إلى اعتقال رئيس النظام نيكولاس مادورو ومحاكمته في نيويورك، وعقد صفقة مع نائبة الرئيس الفنزويلي لتنفيذ طلبات الرئيس دونالد ترمب، بدأت التقارير تخرج عن سياسة أشمل للإدارة حيال أميركا اللاتينية ككل، بعد إنجاز السيطرة على فنزويلا. والخطة الاستراتيجية الواسعة تشمل إجراء تغيير في دول أخرى، لإخراج القارة ككل من النفوذ اليساري الراديكالي إلى التأثير الأميركي الغربي. ولكن هكذا سياسة يجب أن ترتكز على إنجاز أمرين، الأول هو تثبيت التغيير في فنزويلا من ناحية، وحسم “انتفاضة المدن” داخلياً في الولايات المتحدة.
بعد عملية كراكاس ظن بعضهم أن البيت الأبيض سيأتي برئيسة المعارضة الفنزويلية إلى الرئاسة في بلدها، إلا أن الإدارة عقدت تفاهماً مع نائبة رئيسة السلطة لتسيير الأمور حتى إجراء انتخابات جديدة، وقد تأتي السيدة ماريا كورينا ماتشادو رئيسة، ولكن واشنطن تفضل إبقاء الأجهزة الأمنية والدفاعية قائمة مع بعض التغييرات، كي لا ترسل قوات إلى فنزويلا للقتال.
وبعد “تثبيت” فنزويلا ستتحرك الولايات المتحدة لمعالجة اللاعبين اليساريين الآخرين في أميركا اللاتينية، ومن بين أهمهم كولومبيا وكوبا والبرازيل، وهي قلاع يسارية إقليمية كبرى تأتي بعد فنزويلا في الأهمية الاستراتيجية. إلا أن المربع الأول في كراكاس لا يزال يحتاج إلى إعادة هيكلة، والسؤال هو حول المدة التي تحتاج إليها الإدارة لاعتبار الحالة الفنزويلية محسومة وآمنة، فالجيش الفنزويلي وميليشياته والوجود الأمني الإيراني لا يزال قائماً.
لذا فالسؤال الآخر هنا هو: هل ستتحرك واشنطن ضد نظام آخر قريباً أم أنها لن تتحرك قبل تأمين السلطة في كراكاس؟ يصعب الإجابة استراتيجياً، ولكن الكلام في الإدارة حول كوبا بات أكثر كثافة مما كان عليه، ويبدو أن ملف هافانا يتسارع لسببين. الأول أن الولايات المتحدة تعمل على قطع الإمدادات النفطية عن الجزيرة، مما يشكل ضغطاً هائلاً على الحكم. والسبب الثاني هو مبادرة هذا الأخير لفتح باب التفاوض مع واشنطن، وبالتالي قد يستدرج ترمب للتعاطي مع ملف كوبا بسرعة أكبر، وبالتالي أن يفتح باب المحادثات مع هافانا بسرعة، ويتأخر في التعاطي مع كولومبيا والبرازيل.
إلا أن الرئيس الأميركي له قدرة التفاوض السريع والمتعدد، والقلق ليس بقدراته المعروفة، بل بتعاطي تلك الدول مع واشنطن ومحاولة أجهزتها ونخبها أن تؤخر الآلية التفاوضية حتى مرور الوقت، وصولاً إلى الانتخابات النصفية هذا العام. فإذا أخذت كوبا وقتاً أطول لتركيز الأمور، فالإدارة ستحتاج إلى وقت مهم لتتعاطى مع كولومبيا، الذي هدد رئيسها “بمقاومة العم سام”. وبعد كولومبيا تأتي البرازيل الضخمة برئاسة اليساري لولا دي سيلفا، الحليف الدولي لروسيا والصين وإيران. والمواجهة معها قد لا تكون سهلة وقد تأخذ وقتاً أطول، ربما بعد الانتخابات النصفية، أي خلال سنة الانتخابات الرئاسية البرازيلية في 2027.
ولترمب حليف معروف في البرازيل، وهو الرئيس السابق جايير بولسونارو، وابنه الذي سيترشح للرئاسة. هذا برنامج الرئيس ترمب، وله حظوظ كبيرة أن ينجح في تنفيذه. فأميركا أقوى دولة في العالم عسكرياً واقتصادياً وتكنولوجياً، ولها وزن قيادي دولي لا منافس لها عليه. ولكن لخصومها في أميركا اللاتينية، خصوصاً في أميركا الجنوبية، قدرات على “مقاومة” إدارة ترمب. فهذه الأنظمة متواصلة مع بعضها بعضاً، وأجهزتها الاستخبارية تنسق في ما بينها، وبالتالي تجيد المناورات السياسية والدبلوماسية وتدعم بعضها بعضاً.
وإذا قررت كسب الوقت مرحلياً فهي قادرة أن تناور مع الشركات الاستثمارية في أميركا وتحصل هي على وقت ثمين لتقوم “بهجومها المعاكس”، والأهم أن المعارضات المحافظة أو المقاومة لليسار والراديكاليين لم تتسلم مقاليد الحكم كما الوضع في فنزويلا. وبالتالي فالصفقات مع البيروقراطيين ستؤمن بعض المصالح المالية لأميركا وبعض شركاتها، ولكنها لن تصل إلى السلطة بعد لإجراء الإصلاحات العميقة.
دولياً ستتكاتف روسيا والصين عبر مجلس الأمن لعدم تشريع التغيير “الأميركي”، بانتظار “التغيير داخل أميركا”، وهو الهدف المشترك للمحور اليساري الراديكالي. أما الكتلة الأوروبية فستقف مع المعارضات الليبرالية في القارة اللاتينية، وليس مع البيروقراطيات التي ستتعاون مع واشنطن، ولكن واشنطن ستستمر في الضغط وسعيها إلى التغيير وإغراء القوى البديلة بالعمل مع الإدارة.
وقد يدخل المسرح الإيراني في الشرق الأوسط وتطوراته إلى المعادلة، إذا دخل ترمب حلبة الصراع مع القيادة الإيرانية وطال الوقت، فقد يسمح ذلك للقوى اليسارية في أميركا اللاتينية أن تؤخر الضغط الأميركي عليها، ولكن إذا حسمت الإدارة الوضع مع الجمهورية الإسلامية بسرعة، فلن يوقفها أي تكتل في جنوب قارتها، إلا أن اللغم الأخير قد يكون في نتائج انتخابات الكونغرس في الخريف، لأن نتائج تلك الانتخابات قد تضيف القوة لترمب إذا انتصر حزبه، أو تهدد سياسته الخارجية إذا خسر الجمهوريون المعركة.




