تحدي بكين النووي

علي قباجة – الخليج:
من يتأمل المشهد العالمي اليوم يدرك بوضوح أن الصراع بين واشنطن وبكين لم يعد مجرد تدافع تجاري على الرسوم الجمركية أو سباق تقني في الذكاء الاصطناعي، بل انتقل إلى مرحلة «كسر العظم» في أكثر الملفات حساسية وخطورة، وهو السلاح النووي.
نحن اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، حيث قررت الصين أن تخرج من عباءة «الدولة المنكفئة» عسكرياً لتدخل نادي القوى العظمى النووية من أوسع أبوابه.
هذا التحول ليس مجرد استعراض للقوة، بل رد فعل مباشر على شعور بكين بأن الخناق يضيق حولها، خاصة مع انتشار القواعد العسكرية الأمريكية التي تطوقها من كل جانب، والتحركات العسكرية في بحر الصين الجنوبي ودعم واشنطن المستمر لتايوان. بالنسبة للصينيين، لم يعد الصمت خياراً، بل أصبح امتلاك «مخالب نووية» حادة هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار سيناريوهات التدخل الخارجي في شؤونهم.
إن ما يثير قلق أمريكا ليس فقط زيادة عدد الرؤوس النووية الصينية لتتجاوز حاجز ال600 رأس بمعدل إنتاج يصل إلى مئة رأس سنوياً، بل هو تلك القفزة النوعية في التكنولوجيا التي وصفتها تقارير بأنها جيل جديد تماماً لا تملك واشنطن عنه قاعدة بيانات كافية.
الخطورة هنا تكمن في توجه الصين نحو الأسلحة النووية «التكتيكية» ذات القدرة التفجيرية المنخفضة، فهذه الأسلحة لم تصنع لتدمير مدن بأكملها، بل صممت لتكون خياراً متاحاً في ساحة المعركة، وتحديداً في سيناريوهات المواجهة المباشرة حول تايوان. هذا التوجه ينسف نظرية «الردع المتبادل» القديمة، ويفتح الباب أمام احتمالات مرعبة لاستخدام السلاح النووي كأداة ضغط عسكرية محدودة.
واشنطن اليوم تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه، فهي ترى أن معاهدات خفض الأسلحة القديمة مثل «نيو ستارت» بينها وبين روسيا، أصبحت حبراً على ورق لأنها لم تشمل التنين الصيني الصاعد بسرعة. وفي المقابل، ترفض بكين الجلوس على طاولة المفاوضات لضبط التسلح، بحجة أن ترسانتها لا تزال «متواضعة» مقارنة بالآلاف التي يمتلكها الجانبين الأمريكي والروسي.
لكن الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن بكين تسابق الزمن لتحقيق «تكافؤ استراتيجي» في غضون سنوات قليلة، ما سيجعلها نداً حقيقياً يمتلك قوة ضد أي تحرك أمريكي.
نحن نقف الآن أمام إعادة صياغة كاملة لموازين القوى العالمية، فالصين لم تعد تكتفي بالدفاع، بل بدأت برسم خطوط حمراء نووية جديدة. هذا السباق المحتدم يشير إلى أن العالم يتجه نحو نظام متعدد الأقطاب أكثر تعقيداً وخطورة من حقبة الحرب الباردة السابقة.
وفي ظل غياب الشفافية وانعدام الثقة، يبقى السؤال: هل سيؤدي هذا السباق إلى توازن رعب جديد يحفظ السلام، أم أننا نقترب من حافة مواجهة قد لا ينجو منها أحد؟




