رأي

العودة إلى دمشق عاصمة السوريين

كتب عبد الباسط سيدا, في العربي الجديد:

غادرتُ دمشق وأنا في الخامسة والثلاثين، وبعد حصولي على الدكتوراه في الفلسفة من جامعتها عام 1991، وها أنا أعود إليها وأنا كهل في السبعين. يقول الكاتب السويدي اليوناني الأصل ثيودور كاليفاتيدس: “مأساة المهاجر أنه يحنُّ إلى العدم. يحنُّ إلى أماكن تبدّلت؛ وإلى أشخاص قد تغيّروا”، ولكن مأساتنا، نحن السوريين المهاجرين، في أوطاننا الجديدة أصعب. فنحن نشتاق إلى أماكن في وطننا الأم لم تعد موجودة، ونحنُّ إلى أشخاصٍ غابوا أو غُيّبوا، أو أصبحوا في العالم الآخر.
وكان أستاذي صادق جلال العظم (وأنا بالمناسبة ما زلت من أتباع المدرسة القديمة في التعليم التي كان شعارها: من علّمني حرفاً صرت له عبداً) يقول انسجاماً مع توجّهه العقلي غير المقيّد بالعاطفة: “أنا لا أحنّ إلى خبز أمي. وحينما أكون في باريس أو لندن لا أشتاق إلى دمشق”. أمّا أنا، ورغم محبّتي وتقديري الكبيرَين لأستاذي العظم، فحينما أكون في باريس أو لندن، في فيينا أو استوكهولم، أو حتى انترلاكن السويسرية، لا أستطيع أن أنسى دمشق. أمّا بالنسبة لخبز أمي، فلدي معه، وعنه، حكايات وحكايات لا يتّسع المجال هنا لسرد تفاصيلها.
عدتُ إلى دمشق بعد حرماني منها أكثر من 31 عاماً. 30 منها بناءً على فرمانات سلطة آل الأسد. ومع تباشير سقوط تلك السلطة الباغية باستبدادها وفسادها، كانت رغبتي في زيارة دمشق على أشدّها، ولكنّي كنت على سرير المرض في المستشفى، أنتظر إجراء عملية جراحية كبيرة تُوّجتْ بالنجاح والحمد لله.

الدستور الجامع الذي يعترف بخصوصية الجماعات الوطنية الفرعية ويقرّ بحقوقها المشروعة هو الذي يبدّد الهواجس

عدتُ إلى دمشق بعد تحسّن حالتي الصحّية وموافقة الأطباء على السفر، وبناءً على دعوة كريمة تلقّيتها من وزارة الثقافة لحضور فعاليات معرض دمشق الدولي للكتاب. سألني أبنائي وأصدقائي في السويد عن مشاعري وأنا أستعدّ للتوجّه إلى دمشق. ربما كان السؤال بالنسبة إليهم مجرّد مجاملة روتينية، ولكنّه أيقظ لديّ كثيراً من العواطف والذكريات والأفكار، والآلام المكبوتة، والأحلام والأماني التي ظلّت محافظة على ألقها رغم العقود كلّها التي كنت خلالها بعيداً عن دمشق. قلت لهم إنها مشاعر مختلطة. كان الجانب الوجداني العاطفي في النفس يشجّعني على الزيارة على أمل زيارة أماكن ما زالت الذاكرة تحتفظ بملامحها رغم الفاصل الزمني، ورغبة في اللقاء بالأصدقاء والمعارف ممَّن قد يكونون في دمشق. أمّا الجانب العقلي فقد تمثّل في رغبة مشاهدة الأمور على أرض الواقع، ومحاولة الوقوف على أبعاد (وآفاق) التحوّلات الكبرى في سورية منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، يوم تحرير سورية أرضاً وشعباً من سلطة آل الأسد المستبدّة الفاسدة المفسِدة، وهروب أركانها، وفي مقدّمتهم بشّار الأسد، مع الأموال التي سرقوها من الشعب السوري، إلى خارج البلد، بعد أن تيقّنوا أن القوى التي رعتهم ودعمتهم تخلّت عنهم. ولم يكن لذلك كلّه أن يحصل لولا تضحيات السوريين وجهودهم عقوداً، وهي التضحيات والجهود التي قُدّمت وبُذلت من أجل التخلّص من طغيان تلك السلطة وإجرامها وفسادها.
فبعد التحوّلات الدراماتيكية التي شهدتها المنطقة منذ “7 أكتوبر” (2023) العملية التي شنّتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالتعاون مع الفصائل المتحالفة معها، والحرب الإسرائيلية على المدنيين الغزّيين تحت شعار الانتقام من “حماس” وإنهاء سلطتها في قطاع غزّة، ومن ثم الحرب على حزب الله في لبنان وتصفية كوادره وقياداته وفي مقدّمتهم حسن نصر الله، كان من الواضح أن المنافذ قد سُدّت أمام كل مساعي إعادة تدوير سلطة بشّار الأسد. وبالفعل، حدث ما حدث. وهو الحدث الأكبر الذي أثلج صدور السوريين ما عدا أتباع السلطة المعنية والمستفيدين منها وبيادقها.
حرصنا، أنا وزوجتي، على أن نتجوّل وسط دمشق سيراً على الأقدام. زرنا المنطقة الجامعية المحاذية لأوتوستراد المزّة، زرنا كلّية الآداب حيث درسنا. كما زرنا منطقة البرامكة فمررْنا بجانب كليات جامعة دمشق القديمة ومكتبتها المركزية، ومقرّ رئاستها ومدرّجها، ثم سرنا في الشارع الذي يفصل بين المديرية العامة للآثار والمتاحف والمتحف الوطني على اليسار، والتكية السليمانية وسوق الأشغال اليدوية على اليمين. وصلنا إلى جسر فكتوريا وسِرنا بموازاة نهر بردى الذي شعرت بأنه يئن وجعاً تحت وطأة ما تعرّض له البلد وانعكس على حاله. سِرنا في محاذاة النهر لنتوجّه إلى ساحة الأمويين التي باتت تجسّد رمزية الانتصار.
عُدنا بعد ثلاثة عقود ونيّف إلى سوق الحميدية حيث زحمة الناس المعهودة، والمحلّات الجذّابة، والذكريات المختلفة. توجّهنا إلى الجامع الأموي. كما زرنا ضريح السلطان صلاح الدين لنكتشف أن محمد سعيد رمضان البوطي قد دُفن إلى جانبه، الأمر الذي أثار أكثر من تساؤل واستفسار عن المعنى والرسالة. تمشّينا في الشعلان، كما زرنا المكتبة الوطنية. وهناك مناطق أخرى كثيرة نخطّط لزيارتها، منها الجسر الأبيض والمالكي وأبو رمانة والمكتبة الظاهرية وأماكن أخرى، نأمل أن نتمكّن من رؤيتها مجدّداً في الأيام الباقية من رحلتنا الدمشقية.
الانطباع الأول الذي تولّد لديّ وأنا أسير في شوارع دمشق وأزقّتها أن زحمة البشر والسيارات فيها باتت مشكلة المشكلات التي تستوجب حلولاً استراتيجية على مستوى شقّ الطرق وبناء الجسور، وتأمين وسائط النقل الجماعي المريحة النظيفة الرخيصة، والزحمة قد أدّت إلى التلوّث. أمّا عادة تدخين السجائر والنرجيلة في المطاعم والمقاهي والصالات المغلقة فآفة الآفات. كما أن هيئة الأبنية المتهالكة من الخارج والداخل تؤكّد أن السلطة الأسدية، خصوصاً في مرحلة الابن، لم تصرف قرشاً واحداً على البلد خلال 30 عاماً على الأقلّ.
التقيتُ في دمشق بأصدقاء ومعارف قدامى كثيرين، وعرفت بوفاة عديدين منهم. وقد تغيّرت ملامح أماكن كثيرة ووظائفها. إلا أن بعضها ما زالت موجودة، منها محلّ بوظة بكداش في الحميدية، ومقهى الهافانا، وحلويات سلّورة في الفردوس، وكان الجلوس فيها بالنسبة إليّ متعة نوستالجية، أعادتني أجواؤها إلى أيام كنا نحلم فيها بالتغيير، وسط تنامي سطوة المؤسّسات الأمنية والقمعية الوحشية، وتبلور ملامح الدولة الأمنية التي أسّس لها حافظ الأسد الذي ربما استلهم التجربة من سلطة جمال عبد الناصر في مصر، والأنظمة الشيوعية القمعية في دول المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي… حاولتُ دائماً أن أسمع من أصدقاء ومعارف كثيرين علّني أحصل على صورة واقعية لما هي عليه الأمور التي لم تكن غالباً مغايرة لتلك الصورة النمطية التي تتشكّل لدى المرء وهو يراقب الأوضاع عن بعد، ويظلّ أسير التحليلات الوحيدة الاتجاه، والأحكام المسبقة الرغبوية في معظم الأوقات.

زحمة البشر والسيارات فيها باتت مشكلة المشكلات التي تستوجب حلولاً استراتيجية على مستوى شقّ الطرق وبناء الجسور

هناك تفاؤل عام مشوبٌ بحذرٍ مشروع، فالتحدّيات كبيرة داخلياً وإقليمياً ودولياً. على المستوى الداخلي الوطني، هناك جملة قضايا تتصل ببناء مؤسّسات الدولة وإدارتها، وتحديد أولوياتها وتوجّهاتها، ومعالجة الأوضاع بأفضل الحلول الممكنة في منطقتَي الساحل والسويداء. وهناك ارتياح نسبي لما تحقّق في منطقة شرقي الفرات، ومتابعة حثيثة لعمليات تطبيق ما تم الاتفاق عليه مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في محافظة الحسكة وكوباني (عين العرب). وما تلمّسته من أحاديثي مع الأصدقاء والمعارف وبعض المسؤولين أن هناك تمييزاً بين القضية الكردية في سورية و”قسد”، فالأولى أكبر وأقدم من هذه الأخيرة. كثير من الإخوة السوريين الكرد الذين التقيتهم، سواء من دمشق أو من أبناء الحسكة وكوباني وعفرين، كانوا سعداء بصدور المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الخاص بالموضوع الكردي. لاحظت التفاؤل لدى الجميع من دون أي استثناء، رغم تأكيدهم أن المرسوم يحتاج إلى رؤية أكثر اتساعاً ليصبح حلّاً متكاملاً للموضوع المذكور، والأهم أن يثبّت في الدستور، فالدستور الجامع الذي يعترف بخصوصية الجماعات الوطنية الفرعية ويقرّ بحقوقها المشروعة ضمن إطار وحدة الشعب والوطن هو الذي يبدّد الهواجس ويبني الجسور، ولكن هذه العملية لا تكتمل من دون خطوات وإجراءات ملموسة على أرض الواقع تعزّز الثقة، وتؤكّد أن ما وُعِد به، قولاً ونصّاً، إنما هو توجّه أكيد نحو سورية جديدة تكون بجميع مواطنيها ولجميعهم. وفي هذا السياق، لا يسعنا إلا أن نشيد بخطوة تأسيس القسم الكردي في وكالة الأنباء السورية (سانا)، وافتتاح الجناح الكردي في معرض دمشق الدولي للكتاب الذي كان موضع اهتمام السوريين ووسائل الإعلام. كما أن انضمام “قسد” إلى الوفد السوري، برئاسة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، في ميونخ يمثّل خطوة غير مسبوقة تشير إلى وجود عقلية استيعابية قادرة على التعامل مع كل القضايا بنَفَس وطني يطمئن الجميع. ويبقى الحوار الوطني الجامع الإطار الأمثل الذي سيمكّن السوريين من التوافق على كل ما فيه مصلحة السوريين جميعاً من دون أي استثناء.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى