رأي

السودان يدخل الدب الروسي لكرمه

كتب محمد الصالحين الهوني في صحيفة العرب.

دخول الدب الروسي إلى كرم الحكومة العسكرية ليس مجرد صفقة عسكرية، بل خطوة جيوسياسية كبرى تعيد ترتيب البيت الإقليمي.

عبارة “يدخل الدب لكرمه” توصيف دقيق لمشهد جيوسياسي بالغ التعقيد. فالحكومة العسكرية السودانية، ممثلة في قيادات الجيش والسلطة الانتقالية في الخرطوم، اتخذت قرارًا بفتح أبواب البيت السوداني للضيف القادم من الشمال، روسيا، التي تبحث منذ سنوات عن موطئ قدم دائم في البحر الأحمر.

هذه الاستضافة لا يمكن اعتبارها مجرد زيارة عابرة، بل هي مشروع طويل الأمد قد يعيد رسم ملامح التوازن العسكري والاقتصادي في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، حيث تمر عبر قناة السويس نحو 12 في المئة من التجارة الدولية.

من منظور موسكو، بورتسودان هو الكرم الذي طال انتظاره. فروسيا، التي تفتقر إلى موانئ إمداد دائمة خارج حدودها، ترى في البحر الأحمر فرصة إستراتيجية لتعويض هذا النقص. القاعدة المقترحة، التي تسمح بنشر 300 جندي وأربع سفن حربية بينها سفن نووية، تمنحها قدرة على مراقبة الملاحة الدولية وإعادة تسليح وصيانة سفنها، وهو ما يغير ميزان القوى البحرية الذي ظل تقليديًا تحت نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها. بهذا المعنى، فإن دخول الدب الروسي إلى كرم الحكومة العسكرية ليس مجرد صفقة عسكرية، بل خطوة جيوسياسية كبرى تعيد ترتيب البيت الإقليمي.

الحكومة العسكرية السودانية تدخل الدب الروسي إلى الكرم السوداني، لكنها قد تكتشف أن الضيف لا يكتفي بالمائدة، بل يمد يده إلى مفاتيح البيت

العرض الروسي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تبحث المؤسسة العسكرية السودانية عن دعم مباشر، لكنها لا تدرك أن هذا الكرم قد يتحول إلى عبء سياسي واقتصادي ثقيل. الولايات المتحدة حذرت بالفعل من أن إقامة قاعدة روسية ستزيد من عزلة السودان، فيما يرى الاتحاد الأوروبي أن الخطوة قد تعرقل أي مسار نحو الاستقرار السياسي. الجيش السوداني إذن أمام معادلة صعبة: مكاسب عسكرية قصيرة الأجل مقابل كلفة سياسية قد تكون باهظة يتحملها السودان، وضيف قد يفرض نفسه كصاحب البيت.

القلق الإقليمي يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فمصر والسعودية تنظران إلى البحر الأحمر باعتباره مجالًا حيويًا لأمنهما القومي، وأي وجود روسي دائم هناك يثير مخاوف من تهديد أمن قناة السويس والممرات البحرية. إثيوبيا تتابع المشهد بحذر، إذ إن أي تغيير في التوازن العسكري ينعكس مباشرة على أمنها المباشر. أما الولايات المتحدة، فهي ترى أن القاعدة ستفتح الباب أمام نفوذ روسي طويل الأمد في أفريقيا، وتعتبرها خطوة قاتلة، لأنها تمنح موسكو قدرة على استخدام القوة دون رادع. بهذا المعنى، فإن دخول الدب الروسي إلى كرم السودان ليس مجرد اتفاق ثنائي، بل ساحة لتقاطع مصالح دولية معقدة.

السيناريوهات المحتملة لتطور هذا الملف تعكس حجم التعقيد. السيناريو الأول هو إقرار الاتفاق وتنفيذه، حيث تبدأ روسيا بإنشاء مرافق لوجستية محدودة ثم تتوسع تدريجيًا. هذا يمنح الحكومة العسكرية بعض المكاسب العاجلة، لكنه يفتح الباب أمام عقوبات وضغوط غربية، ويثير توترًا مع دول الجوار. السيناريو الثاني هو التجميد أو إعادة التفاوض، حيث يبقى الملف مفتوحًا دون تنفيذ، مع تعديل بنود المدة والقدرات. هذا يمنح الخرطوم هامش مناورة بين موسكو وواشنطن، لكنه يطيل حالة عدم اليقين ويضعف الثقة في قدرة الحكومة العسكرية على اتخاذ قرار حاسم. السيناريو الثالث هو الفشل والتصعيد التنافسي، حيث يُغلق المسار الروسي وتزداد فرص حضور بدائل غربية أو إقليمية، ما يؤدي إلى سباق نفوذ بحري وتعقيد بيئة الملاحة، وربما احتكاك مباشر بين القوى الكبرى.

العرض الروسي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تبحث المؤسسة العسكرية السودانية عن دعم مباشر، لكنها لا تدرك أن هذا الكرم قد يتحول إلى عبء سياسي واقتصادي ثقيل

عناصر الترجيح بين هذه السيناريوهات ترتبط بالوضع الداخلي السوداني أولًا. وحدة القرار السياسي والعسكري ستحدد المسار، فكلما زاد الانقسام الداخلي، مال الملف إلى التجميد أو الفشل. كلفة الفرصة الاقتصادية أيضًا عامل حاسم، إذ إن أي تهديد للتمويل الدولي أو الاستثمارات سيجعل الصفقة أقل جاذبية. المواقف الإقليمية، خصوصًا من مصر والسعودية، ستؤثر بقوة، لأن اصطفافًا رافضًا من هذه الدول قد يدفع الخرطوم إلى إعادة النظر. وأخيرًا، الضغط الدولي عبر أدوات العقوبات والقيود التمويلية قد يحوّل الاتفاق إلى صفقة مكلفة سياسيًا أكثر مما يحتمل السودان.

البحر الأحمر مرشح لأن يتحول إلى ساحة مواجهة جديدة بين القوى الكبرى. روسيا تسعى إلى تثبيت حضور بحري عالمي، فيما يسعى الغرب إلى منعها من ذلك. السودان يجد نفسه في موقع حساس، حيث يحتاج إلى الدعم العسكري لكنه يخشى العزلة الدولية. القوى الإقليمية تراقب بحذر، لأنها تدرك أن أي تغيير في التوازن العسكري ينعكس مباشرة على أمنها القومي.

المفارقة أن الحكومة العسكرية في السودان، التي تبحث عن دعم عسكري لمواجهة تحديات داخلية، قد تجد نفسها في قلب مواجهة دولية لا تملك أدواتها. الفشل في إدارة هذا الملف قد يؤدي إلى عزلة دولية، فيما النجاح في الموازنة بين الأطراف قد يمنحها فرصة لإعادة بناء موقعها الجيوسياسي.

في النهاية، الحكومة العسكرية السودانية تدخل الدب الروسي إلى الكرم السوداني، لكنها قد تكتشف أن الضيف لا يكتفي بالمائدة، بل يمد يده إلى مفاتيح البيت، وأن الضيف الثقيل قد يفرض نفسه كصاحب البيت إذا لم تُحسن الخرطوم إدارة الضيافة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى