اقتصاد ومال

الديون القياسية في الدول الغنية تهدد بعرقلة النمو العالمي

صحيفة “نيويورك تايمز” تتحدث عن تهديد مستويات الدين القياسية أو شبه القياسية في أغنى دول العالم “بعرقلة النمو وزرع عدم الاستقرار المالي في جميع أنحاء العالم”.

تحدّثت صحيفة “نيويورك تايمز”، في تقرير، عن عرقلة تكلفة الاقتراض، الإنفاق العام الحيوي، في العديد من الاقتصادات النامية، فيما يُثير ذلك الآن مخاوف أوسع نطاقاً.

فخطر الاقتراض غير المستدام الذي يخيم الآن على الاقتصاد العالمي، “ينبع من بعض أغنى دول العالم”، بعدما “تسببت الديون الهائلة في انتشار البؤس في الدول الفقيرة وذات الدخل المنخفض في العالم لعقود طويلة”، وفق الصحيفة.

وأوضحت، في هذا السياق، أنّ مستويات الدين القياسية أو شبه القياسية في الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان، “تهدد بعرقلة النمو وزرع عدم الاستقرار المالي في جميع أنحاء العالم”.

أمّا على الصعيد المحلي، فهذا يعني أنّ الدول “يجب أن تدفع فوائد من الأموال التي كان من الممكن أن تُستخدم في الرعاية الصحية أو الطرق أو الإسكان العام أو التقدم التكنولوجي أو التعليم”.

ارتفاع تكاليف الاقتراض
وأشارت “نيويورك تايمز” إلى أنّ التهافت المتزايد على القروض، أدّى إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض، مما استنزف حصة أكبر من أموال دافعي الضرائب، فيما يمكن أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع أسعار الفائدة على قروض الأعمال والاستهلاكية وقروض السيارات، بالإضافة إلى الرهون العقارية وبطاقات الائتمان، ما يرفع معدل التضخم.

ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق، وفق الصحيفة، هو أنّ الديون المتراكمة – التي تتضخم حتى عندما يكون الاقتصاد سليماً نسبياً ومعدلات البطالة منخفضة، كما هو الحال في الولايات المتحدة – تمنح الحكومات مجالاً أقل للاستجابة عندما تسوء الأمور.

فماذا سيحدث في حال حدوث أزمة مالية، أو جائحة، أو حرب؟ وماذا لو ظهرت فجأة حاجة إلى زيادة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية وإعانات البطالة بسبب التغيرات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي أو الكوارث المتعلقة بالمناخ؟

حينها، “يصبح اقتراض الكثير من المال أكثر صعوبة – وأكثر تكلفة – عندما يكون الدين الوطني مرتفعاً للغاية بالفعل”، تجيب “نيويورك تايمز”.

وأشارت إلى أنّ الدين الوطني يساوي أو يتجاوز الناتج الاقتصادي السنوي في ست من دول مجموعة السبع الغنية، وفقاً لصندوق النقد الدولي.

27 دولة أوروبية بحاجة إلى إنفاق 900 مليار دولار إضافية
يأتي ذلك فيما “تتعرض دول عديدة لضغوط متزايدة نتيجة التغيرات الديموغرافية وبطء النمو”، ففي أوروبا وبريطانيا واليابان، أدى شيخوخة السكان إلى ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية الحكومية، في الوقت الذي انخفض عدد العاملين الذين يوفرون الإيرادات الضريبية اللازمة.

كما أنّ الحاجة إلى إعادة بناء البنية التحتية والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة في العديد من المناطق “ملحة للغاية”.

وقد خلصت دراسة استمرت عاماً كاملاً، بناءً على طلب من الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، إلى أنّ التكتل، المكون من 27 دولة، بحاجة إلى إنفاق 900 مليار دولار إضافية على مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، وشبكة الطاقة المشتركة، والحوسبة الفائقة، وتدريب العمالة المتقدمة، لكي يتمكن من المنافسة بفعالية.

على سبيل المثال، في بريطانيا، ستتكلف عملية تحديث البنية التحتية ما لا يقل عن 300 مليار جنيه إسترليني (410 مليارات دولار) خلال العقد المقبل، وفقاً لمنتدى الحوكمة المستقبلية، وهو مركز أبحاث في لندن. وسيحتاج الأمر إلى مليارات إضافية لإعادة تنشيط نظام الرعاية الصحية الوطني المتعثر.

أمّا في إيطاليا، فقد أدت الجهود المبذولة لخفض الإنفاق العام، حيث يبلغ الدين 138% من الناتج المحلي الإجمالي، عن طريق خفض الرعاية الصحية والتعليم والخدمات العامة، أو في فرنسا عن طريق رفع سن التقاعد، إلى اندلاع احتجاجات عنيفة.

وشهدت فرنسا، التي تعاني من جمود سياسي بشأن الميزانية منذ شهور، تخفيض تصنيف ديونها السيادية في الخريف الماضي، ممّا أثار تساؤلات حول الاستقرار المالي للبلاد.

وفيما تعمل اليابان على زيادة ميزانيتها العسكرية بشكل ملحوظ، فإنّ ديون طوكيو هائلة بالفعل، إذ تبلغ أكثر من ضعف الناتج الاقتصادي السنوي للبلاد.

وقد تفاقمت احتمالية تفاقم الأزمة المالية الأسبوع الماضي، عندما دعت رئيسة الوزراء، سناء تاكايتشي، فجأة، إلى انتخابات مبكرة، في وقتٍ يتعهد كل من حزبها الليبرالي الديمقراطي وأحزاب المعارضة بزيادة الإنفاق وخفض الضرائب.

“عالم أكثر خطورة”
في غضون ذلك، أصبح العالم أكثر خطورة، إذ “تصاعدت التوترات بين الصين والولايات المتحدة”، كما تصاعدت التوترات بين أوروبا وروسيا، فيما “يميل الرئيس الأميركي إلى العداء”.

وقد استجابت معظم الدول بتقديم دعم كبير لأوكرانيا بمليارات الدولارات وزيادة الإنفاق العسكري، في وقت اتفق أعضاء حلف شمال الأطلسي على تخصيص 5% من ناتجهم المحلي الإجمالي للدفاع.

دين وطني أميركي يختلف عن سابقاته
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لا “تزال السندات الأميركية ملاذاً آمناً في عالم محفوف بالمخاطر”، لكن السياسات الاقتصادية المتقلبة للرئيس، دونالد ترامب، والحروب التجارية التي شنها، “تُعدّ أحد أسباب كون الدين الحالي مختلفاً عن أي مرحلة أخرى في التاريخ الأميركي”، كما يقول ويليام ج. غيل، مؤلف كتاب “العلاج المالي: علاج إدمان أمريكا على الديون والاستثمار في المستقبل”.

فالدين الوطني الأميركي يبلغ الآن 38 تريليون دولار، أي ما يقرب من 125% من حجم اقتصاد البلاد.

يأتي ذلك في وقتٍ يعد ترامب بدفع تعويضات للمزارعين ودافعي الضرائب وحاملي السندات من ميزانية محدودة، فيما يتوقع المحللون أن تدفع انتخابات التجديد النصفي البيت الأبيض إلى إنفاق المزيد من الأموال في العام المقبل.

كما تعهد ترامب هذا الشهر بزيادة الإنفاق العسكري إلى 1.5 تريليون دولار خلال السنة المالية المقبلة، وهو ما حسبته لجنة الميزانية الفيدرالية المسؤولة، والذي سيضيف 5.8 تريليون دولار إلى الدين الوطني، بما في ذلك الفوائد، على مدى 10 سنوات.

وتضاعفت مدفوعات الفائدة الصافية ثلاث مرات خلال السنوات الخمس الماضية، لتصل إلى ما يقارب تريليون دولار، وهي تستحوذ الآن على 15% من الإنفاق الأميركي، لتكون ثاني أكبر بند إنفاق بعد الضمان الاجتماعي.

وفي هذا السياق، حذّر غيل، الذي شارك مؤخراً في تأليف دراسة حول الدين الأميركي، من أنّ استمرار احتمال تزايد الدين “يهدد دور البلاد كقائد اقتصادي، ويقوض ثقة المستثمرين في سندات الخزانة والدولار”.

كما أنّه يزيد العبء على أبناء وأحفاد هذا الجيل، كما أوضح غيل، “فكلما زاد استهلاكك الآن، قلّ ما يمكنك استهلاكه لاحقاً”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى