أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: حرب على الذاكرة والأرض في الجنوب

لم يعد الدمار الذي يطال القرى الجنوبية جراء العدوان الإسرائيلي يُقاس بعدد المنازل المهدّمة أو حجم الخسائر المادية فحسب، بل بات يتجاوز ذلك ليطال عناصر أساسية من الهوية التاريخية والثقافية والبيئية للمنطقة. فمع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، تتعرض مدن وقرى بكاملها لخسائر تطاول المنازل القديمة، ودور العبادة، والأشجار المعمّرة التي شكّلت، على مدى قرون، جزءاً من المشهد الطبيعي والإنساني للجنوب.

وتحمل البيوت القديمة في القرى الجنوبية قيمة تتجاوز كونها أماكن للسكن، فهي تمثل سجلاً حياً لتاريخ العائلات والبلدات، وتحفظ بين جدرانها ذاكرة أجيال متعاقبة. وعندما تتحول هذه المنازل إلى ركام، فإن الخسارة لا تصيب أصحابها وحدهم، بل تمتد إلى جزء من التراث العمراني الذي يروي حكاية المكان وتطوره عبر الزمن.

والأمر نفسه ينسحب على المساجد التاريخية التي شكّلت، على مدى عقود طويلة، مراكز دينية واجتماعية وثقافية. فهذه المعالم ليست مجرد أبنية حجرية، بل رموز لهوية القرى وروحها الجماعية. واستهدافها أو تدميرها، إن في صور أو ميس الجبل أو قرية شمع وغيرها من القرى، يترك جرحاً عميقاً في الوجدان العام، لأنه يمسّ ذاكرة الناس في هذه المناطق، ويهدد معالم ارتبطت بحياتهم اليومية وطقوسهم ومناسباتهم.

وفي موازاة استهداف الحجر، تبدو الطبيعة الجنوبية وكأنها تخوض معركة أخرى. فحقول الزيتون التي تمتد على التلال والوديان ليست مجرد مصدر إنتاج زراعي، بل تمثل رمزاً متجذراً للصمود والانتماء إلى الأرض، حيث إن كثيراً من هذه الأشجار هي أشجار معمّرة شهدت تعاقب أجيال متتالية، وتحولت إلى جزء من التراث الحي الذي يربط الإنسان بأرضه وتاريخه. وعندما تُحرق أو تُقتلع، ومنها ما يُسرق، فإن الضرر لا يقتصر على الموسم الزراعي أو الخسارة الاقتصادية، بل يطال علاقة عمرها مئات السنين بين الإنسان وأرضه.

أما الياسمين والورود التي لطالما زيّنت باحات المنازل وأزقة القرى، فتحمل بدورها رمزية خاصة في الذاكرة الشعبية. فرائحتها ارتبطت بالهدوء والحياة اليومية والحنين إلى المكان، وتحولها إلى ضحية للحرب يعكس حجم الاستهداف الذي يطال تفاصيل الحياة الصغيرة كما الكبيرة.

وتبرز هنا أبعاد أخرى لهذا المشهد، تتعلق بمحاولة إسرائيل تغيير ملامح البيئة والقرى والذاكرة الجماعية، إذ إن إعادة بناء منزل قد تكون ممكنة، وزراعة شجرة زيتون جديدة قد تتم خلال سنوات، لكن استعادة قيمة شجرة معمّرة، أو مسجد تاريخي، أو منزل ورثته عائلة جيلاً بعد جيل، تبقى مهمة أكثر تعقيداً، لأن الزمن نفسه جزء من هذه القيمة.

انطلاقاً مما تقدم، يبدو الجنوب اليوم أمام تحدٍّ يتجاوز إعادة الإعمار التقليدية. فالمعركة الحقيقية لا تتعلق فقط بإزالة الركام وإصلاح ما تهدّم، بل بالحفاظ على هوية منطقة شكّلت، عبر تاريخها، نموذجاً للتجذر في الأرض والتمسك بالتراث. وبين المنازل المهدّمة، والمساجد المتضررة، وأشجار الزيتون والياسمين المقتلعة، تتجلى صورة حرب لا تستهدف الجغرافيا وحدها، بل تحاول أن تصيب الذاكرة نفسها، وأن تترك آثارها في وجدان المكان وأهله لأجيال طويلة قادمة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى