أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: «الميكانيزم»… شاهد زور

يفترض بلجنة «الميكانيزم» التي وُلدت بعد اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل منذ أكثر من عام ونيف، كإطار يجمع لبنان وإسرائيل وقوات «اليونيفل» تحت رعاية أميركية وفرنسية، أن تكون الإطار الدولي لمراقبة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية. غير أنّ الوقائع المتراكمة على الأرض، لا سيما في الجنوب والبقاع نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية شبه اليومية، تكشف أنّ «الميكانيزم» لم تعد أكثر من شاهد زور، حاضر بالاسم وغائب بالفعل، لا يقدّم ولا يؤخّر، ولا يملك من أدوات التأثير سوى البيانات الرمادية والوعود المؤجَّلة.

منذ إقرار الاتفاق، رأى البعض في «الميكانيزم» أنّها خشبة الخلاص، القادرة على احتواء التوترات، وضبط الخروق، وفرض حدٍّ أدنى من الالتزام بالقواعد. لكن مع مرور الوقت، تحوّل هذا الإطار إلى حملٍ ثقيل، يواكب الأحداث بدل أن يسبقها، ويرصد الانتهاكات من دون أن يوقفها، ويكتفي بتدوير الزوايا فيما الوقائع تتجاوز كل الزوايا.

فالمشكلة الأساسية لا تكمن في النصوص أو الصياغات، بل في جوهر الدور. فالميكانيزم، كما هي عليه اليوم، بلا أنياب، لا تمتلك قدرة الردع، ولا سلطة القرار، ولا تترجم ما تسجّله من خروق إسرائيلية إلى إجراءات ملموسة. وهنا يصبح وجودها أشبه بدفتر ملاحظات مفتوح على طاولة الأزمة، يُسجَّل فيه كل شيء، لكن من دون أن يُحاسَب أحد.

في الجنوب، حيث يُفترض أن تكون لجنة «الميكانيزم» في ذروة فاعليتها، تتكشّف هشاشتها يومياً. خروق إسرائيلية تتكرّر، اعتداءات تتوسّع، فيما «الميكانيزم» تراقب وتدوّن. لا إنذارات رادعة، لا خطوات تصعيدية دبلوماسية، ولا حتى ضغط سياسي فعلي. النتيجة واحدة: الوقائع الميدانية تفرض نفسها.

أما على المستوى السياسي، فقد تحوّل هذا الإطار إلى مظلّة تُستخدم لتبرير العجز. كلما سُئل المسؤولون عن غياب الحلول، كان الجواب الجاهز: «الملف في عهدة الميكانيزم»، عبارة تختصر حالة الهروب إلى الأمام، وتُسقِط المسؤولية عن كاهل من يُفترض بهم اتخاذ القرار. وهكذا، بدل أن تكون «الميكانيزم» أداة ضغط، صارت أداة تخفيف ضغط عن أصحاب القرار.

والسؤال الجوهري اليوم ليس إن كانت «الميكانيزم» موجودة، بل إن كانت مفيدة. فإمّا أن يُعاد تعريف دورها، وتُزوَّد بصلاحيات واضحة وأدوات ضغط فعلية، أو يُعترف صراحةً بأنها إطار فاشل لا يرقى إلى مستوى التحديات. أمّا الاستمرار في هذه المسرحية، حيث تُستدعى «الميكانيزم» لتغطية العجز، فلن يؤدّي إلا إلى تعميق الفجوة بين التصريحات والواقع.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى