أبرزشؤون لبنانية

افتتاحية اليوم: المنطقة أمام تحوّل كبير

لم يعد ما جرى أمس الأول، ولا يزال، مجرد جولة تصعيد عابرة في صراع مفتوح منذ عقود، بل هو تحوّل نوعي يعيد رسم معادلات القوة في المنطقة؛ إذ إن الهجوم الأميركي–الإسرائيلي على إيران، وما تلاه من مقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، السيد علي خامنئي، ثم الرد الإيراني بضرب إسرائيل وقواعد أميركية في الخليج، أدخل الشرق الأوسط في مرحلة غير مسبوقة من الغموض الاستراتيجي.

أولاً، على المستوى الإيراني الداخلي، يشكّل غياب السيد خامنئي زلزالاً سياسياً وعقائدياً. فالرجل لم يكن مجرد قائد سياسي، بل مرجعية عليا تمسك بمفاصل القرار الأمني والعسكري والديني، وانتقال السلطة في ظل حرب مفتوحة يضع النظام أمام اختبار تماسكه الداخلي: فإما أن يدفع الحدث نحو مزيد من التشدد وتوحيد الصفوف خلف قيادة جديدة تتبنى نهجاً أكثر صرامة، وإما أن يفتح الباب أمام تجاذبات داخلية تعيد رسم موازين القوى بين المؤسسات.

ثانياً، إن الرد الإيراني بضرب إسرائيل وقواعد أميركية في الخليج نقل المواجهة من «حرب ظل» إلى صدام مباشر. فاستهداف القواعد الأميركية يوسّع رقعة الاشتباك، ويجعل دول الخليج في قلب العاصفة، سواء أرادت ذلك أم لا. وهنا يكمن الخطر الأكبر: أي خطأ في الحسابات، أو توسّع غير محسوب، قد يشعل حرباً إقليمية شاملة تتداخل فيها الجبهات من لبنان إلى العراق واليمن، وصولاً إلى الممرات البحرية الحيوية، ولا سيما مضيق هرمز.

ثالثاً، تجد إسرائيل نفسها أمام معادلة مركّبة؛ فهي حققت هدفاً استراتيجياً بإزاحة رأس النظام الإيراني، لكنها في المقابل تواجه ردوداً صاروخية مباشرة قد تطال عمقها الحيوي، وتضع جبهتها الداخلية تحت ضغط غير مسبوق. كما أن أي انخراط طويل الأمد في حرب إقليمية سيستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية، ويعيد ترتيب أولوياتها الأمنية.

أما الولايات المتحدة، فهي أمام اختبار صدقية الردع؛ إذ إن انخراطها المباشر يجعلها شريكاً كاملاً في الحرب، ويضع قواتها ومصالحها في المنطقة تحت تهديد مستمر. في المقابل، فإن التراجع أو السعي السريع إلى احتواء التصعيد قد يُقرأ على أنه ضعف، ما ينعكس على مكانتها الدولية.

وعلى المستوى الاقتصادي، ستتأثر أسواق الطاقة فوراً؛ إذ إن أي اضطراب في الخليج، أو تهديد للملاحة، سيرفع أسعار النفط ويضغط على الاقتصاد العالمي، ما يضيف بعداً دولياً للأزمة ويدفع قوى كبرى إلى محاولة التدخل لمنع الانفجار الكبير.

ويبقى السؤال المحوري: هل نحن أمام حرب إقليمية طويلة، أم صدمة كبرى تسبق تسوية جديدة؟ التجربة تقول إن المنطقة غالباً ما تقف عند حافة الهاوية ثم تتراجع في اللحظة الأخيرة، لكن حجم الضربة هذه المرة ورمزيتها يجعلان احتمالات الانزلاق أكبر من أي وقت مضى. وحيال ذلك، يدخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل قاسية، قد تنتهي بتوازن ردع جديد… أو بسنوات من الحرب المفتوحة.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى