افتتاحية اليوم: “الرقم واحد”

لم يكن تفصيلاً عابراً أن يفتتح رئيس مجلس النواب نبيه بري سباق الترشيحات للانتخابات النيابية المقبلة من بوابة الجنوب الثانية، دائرة قرى صيدا، حاملاً “الرقم واحد”. في السياسة اللبنانية، للأرقام رمزية، وللتوقيت دلالاته، وللجغرافيا رسائلها. وعندما يقرن بري خطوة الترشيح بتأكيد واضح على التمسك بإجراء الانتخابات في موعدها في العاشر من أيار، ويعلن أنه أبلغ بذلك رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والحكومة، برئاسة نواف سلام، فإن المشهد يتجاوز الإجراء الإداري إلى ما يشبه الإشارة السياسية الثقيلة.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل أعطى بري “كلمة السر” لانطلاق الاستحقاق فعلياً، أم أنه يتصرف وفق قاعدة تثبيت الموقف المبدئي من دون ضمان مسار الأحداث؟ في لبنان، غالباً ما تكون الانتخابات رهينة توازنات اللحظة، وأي تطور أمني أو سياسي قادر على قلب الطاولة. لذلك تبدو خطوة رئيس المجلس مزدوجة الدلالة: إعلان نية واضحة بالمضي في الاستحقاق، مع إبقاء الباب موارباً أمام احتمالات الواقع.
وحين يرشّح الرئيس بري نفسه عن دائرة الزهراني، فهو يبعث برسالة مفادها أن الاستحقاق يجب أن يُنتزع من مناخات القلق، وأن يُعاد إلى سكته الدستورية، مهما تعاظمت الضغوط.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا الترشيح عن السياق العام للبلاد. لبنان يقف على حافة استحقاقات متداخلة: مخاوف من عودة الحرب، مفاوضات مالية شائكة، توترات إقليمية تلقي بظلالها على الداخل، ومخاوف دائمة من انفلات أمني قد يُستخدم ذريعةً للتأجيل. ضمن هذا المشهد، يبدو إعلان رئيس المجلس ترشيحه أشبه بمحاولة لقطع الطريق على أي تبرير مسبق لتعطيل الانتخابات، ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
لكن في السياسة اللبنانية، الإعلان لا يكفي وحده؛ فالتجربة أثبتت أن الترشيح لا يعني حتماً أن الانتخابات ستجري، كما أنه لا يعني أنها لن تجري. هي خطوة ضرورية في مسار دستوري، لكنها تبقى رهناً بتوافر شروط الحد الأدنى من الاستقرار. لذلك يمكن قراءة خطوة بري من زاويتين متوازيتين: الأولى، تثبيت الالتزام العلني بالموعد الدستوري؛ والثانية، تسجيل موقف سياسي يضع القوى الأخرى في خانة الاختبار.
ومن زاوية أولى، قد يُفهم الترشيح المبكر على أنه محاولة لفرض إيقاع سياسي. حين يفتح رئيس المجلس الباب، فهو يدفع الآخرين إلى اتخاذ مواقف مماثلة، ويحوّل النقاش من سؤال “هل ستجري الانتخابات؟” إلى سؤال “كيف ستجري؟”. هذا التحول في النقاش مهم، لأنه ينقل البلاد من مناخ الترقب السلبي إلى مناخ التحضير العملي.
ومن زاوية ثانية، قد يرى البعض في الخطوة نوعاً من التحصين الذاتي. فبري، الذي يمسك بمفاصل تشريعية وسياسية أساسية، يدرك أن الاستحقاق النيابي ليس مجرد محطة دورية، بل اختبار لتوازنات ما بعد الأزمات. لذلك، فإن إعلان الترشح يثبت الحضور ويؤكد الاستمرارية، حتى لو طرأت مستجدات على المسار العام.
يبقى أن موقفه العلني من إجراء الانتخابات في موعدها يحمل أبعاداً تتجاوز شخصه. فهو يضع السلطة التنفيذية، ممثلةً برئيس الجمهورية والحكومة، أمام التزام معلن. كما يوجّه رسالة إلى الداخل والخارج بأن لبنان قادر على احترام مواعيده الدستورية، رغم كل التعقيدات. في بلد اعتاد تمديد المجالس وتأجيل الاستحقاقات، تبدو هذه الرسالة ذات قيمة سياسية مضاعفة.




