افتتاحية اليوم: الذكاء الاصطناعي والاغتيالات

لم تعد الحروب الحديثة تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات والدبابات، بل أصبحت البيانات والمعلومات والخوارزميات جزءًا أساسيًا من المعركة. ومع الكشف عن استخدام الجيش الإسرائيلي نظام استهداف مدعومًا بالذكاء الاصطناعي لتعقّب الأشخاص واغتيالهم في لبنان، تتجه الأنظار إلى مرحلة جديدة من الحروب التكنولوجية التي تثير أسئلة خطيرة حول الأمن والخصوصية وحدود استخدام التكنولوجيا في النزاعات المسلحة.
بحسب المعطيات المتداولة، يعتمد هذا النظام على جمع كميات هائلة من البيانات من مصادر متعددة تشمل الهواتف المحمولة، وكاميرات المراقبة، والطائرات المسيّرة، وإشارات الإنترنت والواي فاي، فضلًا عن تحليل النشاط على وسائل التواصل الاجتماعي، ويتم دمج هذه المعلومات ضمن منظومة رقمية متطورة قادرة على تتبع الأفراد وتحديد تحركاتهم، ما يسمح بتحديد “الأهداف” بصورة شبه فورية.
هذا التطور يعكس انتقال الحرب الإسرائيلية على لبنان من مرحلة “الاستهداف التقليدي” إلى “الاستهداف الذكي”، حيث تصبح الخوارزميات شريكًا مباشرًا في اتخاذ القرار الأمني والعسكري. فالذكاء الاصطناعي بات قادرًا على تحليل ملايين البيانات خلال ثوانٍ، ورصد التحركات، والتنبؤ بالسلوك، وحتى اقتراح أهداف محتملة بناءً على الترابط بين الأشخاص والأماكن والاتصالات.
لكن الخطورة لا تكمن فقط في تطور التكنولوجيا، بل في حجم الاعتماد عليها. فحين تتحول الخوارزمية إلى أداة تحدد من يعيش ومن يموت، يصبح هامش الخطأ كارثيًا، والخبراء يحذرون من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي ليست معصومة عن الخطأ، بل يمكن أن تخطئ في تفسير البيانات أو الربط بينها، ما قد يؤدي إلى استهداف مدنيين أبرياء بناءً على تشابه أسماء أو تحركات أو اتصالات لا علاقة لها بأي نشاط عسكري.
وفي بيئة معقدة كلبنان، حيث الكثافة السكانية العالية والتداخل الجغرافي والاجتماعي، تصبح احتمالات الخطأ أكبر وأكثر خطورة. فمجرد وجود شخص في مكان معين، أو تواصله مع فرد يخضع للمراقبة، قد يجعله ضمن دائرة الاشتباه لدى الأنظمة الذكية، كما أن الاعتماد على بيانات الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي يفتح الباب أمام انتهاكات واسعة للخصوصية وتحويل المجتمع بأكمله إلى ساحة مراقبة مفتوحة.
والأمر لا يقتصر على البعد الأمني فحسب، بل يمتد إلى البعد النفسي أيضًا، فالإحساس بأن الهواتف والكاميرات وشبكات الإنترنت قد تتحول إلى أدوات تعقّب دائمة، يولد حالة من القلق والخوف داخل المجتمع. وهذا النوع من الحروب يهدف إلى خلق ضغط نفسي دائم، حيث يشعر الأفراد بأنهم مراقبون باستمرار حتى في تفاصيل حياتهم اليومية.
كما أن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العمليات العسكرية يطرح تحديات قانونية وأخلاقية غير مسبوقة، فمن يتحمل مسؤولية الخطأ إذا قُتل مدني نتيجة تحليل خاطئ؟ هل هي الجهة العسكرية التي تستخدم النظام، أم الشركة المطورة للتكنولوجيا، أم الخوارزمية نفسها؟ هذه الأسئلة باتت مطروحة بقوة في الأوساط القانونية الدولية، خصوصًا مع تزايد استخدام الأنظمة الذكية في ساحات النزاع.
ويرى مراقبون أن ما يجري يشكل جزءًا من التحول العالمي نحو “الحروب الرقمية”، حيث تصبح المعلومات سلاحًا يوازي في أهميته الصواريخ والطائرات. فالطرف الذي يمتلك قدرة أكبر على جمع البيانات وتحليلها والسيطرة على الفضاء الرقمي، يمتلك أفضلية ميدانية واستخباراتية هائلة.
في المقابل، يثير هذا الواقع مخاوف من دخول المنطقة في مرحلة أكثر خطورة، تصبح فيها التكنولوجيا أداة لزيادة الاغتيالات والضربات الدقيقة، بدلًا من أن تكون وسيلة لتخفيف الخسائر البشرية.




