افتتاحية اليوم: الانتخابات وشبح التمديد

ما يزال المشهد الانتخابي في لبنان غارقًا في الضبابية، وسط تداخل حسابات الداخل مع تعقيدات الإقليم، وتنامي الشكوك حول إمكان الالتزام بالمواعيد الدستورية. فبينما يُفترض أن تُشكّل الانتخابات النيابية محطةً لتجديد الحياة السياسية وإعادة تكوين السلطة، تبدو الصورة حتى الساعة مشرذمة، تعكس انقسامًا سياسيًا حادًا وافتقارًا إلى رؤية جامعة حول شكل المرحلة المقبلة.
التحضيرات التقنية والإدارية لا تزال دون المستوى المطلوب، في ظل نقاشات متواصلة حول التمويل، والإشراف، والجهوزية اللوجستية، إضافةً إلى الجدل الدائر بشأن تعديل القانون الانتخابي الحالي. هذا الواقع يعزّز المخاوف من أن تتحوّل هذه الذرائع إلى مدخلٍ سياسي لتأجيل الاستحقاق أو حتى التمديد لمجلس النواب، كما حصل في مراحل سابقة من تاريخ لبنان.
فالقوى الأساسية لم تحسم بعد تحالفاتها النهائية، فيما تشهد الساحة تحوّلاتٍ في التموضع السياسي، مع بروز محاولات لإعادة رسم الاصطفافات التقليدية؛ إذ إن بعض الأطراف يرى في الانتخابات فرصةً لإعادة تثبيت أحجامه الشعبية، فيما يتوجّس آخرون من تبدّلاتٍ في المزاج العام قد تُفقدهم مواقعهم. وبين هذا وذاك، يصبح التمديد خيارًا مغريًا لمن يخشى نتائج صناديق الاقتراع.
العامل الأمني لا يغيب عن الحسابات أيضًا؛ فالاعتداءات الإسرائيلية المتنقّلة في المناطق الجنوبية، والقلق من إمكانية عودة الحرب، والخوف من تداعيات أي تصعيدٍ إقليمي، تُستخدم في النقاش العام كمبرّراتٍ محتملة لعدم إجراء الانتخابات في موعدها. غير أن ربط الاستحقاق الديمقراطي بالظروف الأمنية يفتح الباب أمام سابقةٍ خطيرة، تجعل من الاستقرار ذريعةً دائمة لتعليق الحياة الدستورية.
في المقابل، ثمة قوى سياسية ترى أن أي تمديدٍ جديد سيشكّل ضربةً قاسية لما تبقّى من ثقة المواطنين بالمؤسسات. فمجلس النواب الحالي جاء في ظل ظروفٍ استثنائية، وأي تمديدٍ له سيكرّس واقعًا من الجمود السياسي، ويعزّز الشعور العام بأن الطبقة السياسية عاجزةٌ عن تجديد نفسها عبر الآليات الديمقراطية الطبيعية.
لكن التجارب السابقة أثبتت أن تأجيل الاستحقاقات لا يحلّ الأزمات، بل يؤجّل انفجارها. من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى قرارٍ سياسي واضح يحسم الجدل، ويؤكد احترام المهل الدستورية، مع توفير كل الضمانات اللوجستية والأمنية لإجراء الانتخابات في موعدها.
فلبنان يقف أمام اختبارٍ ديمقراطي جديد: فإمّا أن تُجرى الانتخابات فتُفتح نافذةٌ لإعادة تكوين السلطة على أسسٍ جديدة، وإمّا أن يسلك البلد طريق التمديد، بما يحمله ذلك من تداعياتٍ على شرعية المؤسسات ومستقبل الحياة السياسية. والقرار في نهاية المطاف ليس تقنيًا بقدر ما هو سياسي، يعكس إرادة الطبقة الحاكمة في الاحتكام إلى الناس أو الهروب من حكمهم.




