افتتاحية اليوم: الإعلام اللبناني في زمن الحرب

في الحروب، لا تكون الجبهات محصورة بالمدافع والصواريخ، بل تمتد إلى الشاشات والهواتف الذكية، حيث تتشكل الروايات وتُصاغ الاتجاهات. وفي لبنان، الذي اعتاد أن يكون في قلب العواصف الإقليمية، يتحول الإعلام إلى لاعب أساسي في معادلة الصمود أو الانقسام. فكيف يؤدي الإعلام اللبناني دوره في زمن الحرب؟ وأين يقف بين المهنية والانخراط في المعركة السياسية والنفسية؟
منذ أن انطلقت شرارة الحرب نهاية الأسبوع الفائت، اتجهت الأنظار إلى وسائل الإعلام المحلية التي تسابقت لنقل الأخبار الميدانية، وتغطية التطورات لحظة بلحظة. هذا السباق حمل في طياته تحديات كبرى: دقة المعلومات، حماية المصادر، تجنب بث الشائعات، وعدم الوقوع في فخ التهويل أو التهوين. فالإعلام في زمن الحرب ليس مجرد ناقل خبر، بل هو صانع مزاج عام، وقد يكون عاملاً في تعزيز الصمود أو نشر الهلع.
من المعلوم أن المشهد الإعلامي اللبناني يتميز بتعددية واسعة تعكس التوازنات السياسية والطائفية في البلاد. هذه التعددية تمنح مساحة للتنوع في وجهات النظر، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى ساحة اصطفاف حاد، حيث تنعكس الانقسامات السياسية على الخطاب الإعلامي. في أوقات الحرب، يتراجع الهامش الرمادي، ويعلو منسوب الخطاب التعبوي، فتغدو بعض المنابر أقرب إلى منصات تعبئة سياسية منها إلى مؤسسات إعلامية تلتزم الحياد.
إلا أن الوجه الآخر للمشهد يظهر في الجهود المهنية التي يبذلها عدد من الصحافيين والمؤسسات، خصوصاً في تغطية أوضاع المدنيين، وحركة النزوح، والخسائر الإنسانية. هنا يبرز الدور الإنساني للإعلام في نقل معاناة العائلات، وتسليط الضوء على حاجات المناطق المتضررة، والضغط باتجاه استجابة رسمية أسرع وأكثر فاعلية. هذا الدور يصبح أكثر أهمية في ظل هشاشة البنية الخدماتية للدولة، حيث يتحول الإعلام إلى منصة مساءلة ومراقبة.
إن الحرب الحديثة لا تُخاض بالسلاح فقط، بل كذلك بالمعلومة والصورة. ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الإعلام التقليدي وحده في الميدان، بل يواجه منافسة شرسة من صفحات وحسابات تنشر أخباراً غير موثقة. هنا تتضاعف مسؤولية المؤسسات الإعلامية في التحقق والتدقيق، وفي تقديم محتوى مهني يرسخ الثقة لدى الجمهور.
حيال ما تقدم، يقف الإعلام اللبناني في هذه المرحلة أمام اختبار مزدوج: اختبار المهنية في نقل الوقائع بدقة وموضوعية، واختبار الوطنية في تجنب تأجيج الانقسامات الداخلية. وبين حق الجمهور في المعرفة وضرورات الأمن والاستقرار، تتحدد معالم الدور الحقيقي للإعلام في زمن الحرب؛ فإما أن يكون جسراً يعزز التماسك الداخلي، أو ساحة إضافية للصراع المفتوح.




