إيران وهي تخلع عباءة النظام الثيوقراطي

كتبت سالمة الموشي في صحيفة إندبندنت عربية.
لا تمر إيران اليوم بمرحلة (أزمة نظام) بالمعنى التقليدي بل تعيش لحظة أعمق وأكثر خطورة: اهتزاز المعنى الذي قامت عليه الدولة منذ عام 1979، فالنظام الإيراني لم يكن مجرد سلطة سياسية بل مشروعاً أيديولوجياً أعاد تعريف الهوية والدور وحدود العداء والصداقة في المنطقة. وما يتهاوى اليوم ليس فقط أدوات الحكم بل الأساس الرمزي (الدولة الثيوقراطية) الذي منح النظام شرعيته التاريخية. ومن هنا لا يمكن فهم التحولات الكبرى بالاعتماد فقط على الشارع أو خطاب السلطة بل عبر تتبع الفاعلين القادرين على توقيت الأزمات وإدارتها بذكاء. ما تعيشه إيران اليوم لا يمكن فهمه باعتباره نتيجة تحرك داخلي صرف ولا كنتيجة تلقائية لغضب شعبي متراكم، بل بوصفه مرحلة مُدارة ضمن صراع دولي على جغرافية المنطقة ووظائف دوله الكبرى.
لهذا، فإن قراءة المشهد الإيراني لا يمكن اختزالها في مؤشرات احتجاج أو صراع أو ضغوط اقتصادية أو تحريض خارجي. ما يحدث أقرب إلى تشقق بطيء في بنية دولة ثقيلة تشبه في حركتها صفائح جيولوجية لا تنفجر دفعة واحدة، بل تُطلق زلازل متتابعة، متفاوتة القوة، لكنها جميعاً تشير إلى أن الأرض لم تعد مستقرة.
وبالعودة للتاريخ نجد أنه وعلى مدى عقدين بنت إيران نفوذها الإقليمي عبر استثمار الفراغات العربية، مستفيدة من انهيار الدولة الوطنية في العراق، ثم الحرب في سوريا، ثم هشاشة لبنان واليمن. هذا التمدد منح طهران شعوراً بفائض القوة لكنه في الوقت ذاته خلق شبكة التزامات مكلفة، وأدخلها في صراعات تتجاوز قدرتها الاقتصادية والاجتماعية على الاحتمال ودفع الفاتورة باهظة الثمن.
ما تغير اليوم ليس فقط حجم النفوذ الإيراني بل وظيفته. النفوذ الذي كان يُستخدم كأداة حجز ومساومة تحول إلى عبء استراتيجي. خسارة سوريا – بوصفها منصة مركزية للتمدد – لم تكن خسارة جغرافية فحسب بل كسرت سردية (الهلال) التي قامت عليها السياسة الإيرانية منذ عام 2003. ومع تهاوي دور “حزب الله” وتشديد العقوبات وتزايد التضجر الداخلي لم تعد طهران قادرة على لعب دور القوة الصاعدة لكنها لم تتحول بعد إلى دولة منكفئة على ذاتها إذ إن إيران هي عبارة عن بُنية معقدة تتأرجح بين مركزية مشروطة واعتقادات بطولية متوارثة. هذا الوضع الوسيط هو الأخطر لأنه يضعها بين الاستنزاف المستمر والتهديد المباشر من المنافسين الإقليميين والدوليين وأضف له اليوم الثورات الداخلية.
في المقابل، شهد التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي تحولاً نوعياً. لم تعد إسرائيل تتعامل مع إيران فقط بوصفها خصماً عسكرياً أو أيديولوجياً، بل باعتبارها عقدة جيوسياسية تعيق إعادة تشكيل المنطقة وفق منطق التفتيت المُدار. فإسرائيل على رغم تفوقها العسكري تدرك أن وجود دول كبيرة متماسكة – حتى لو كانت ضعيفة – يفرض حدوداً على قدرتها على الحركة.
من هنا، لا يتركز الجهد الإسرائيلي على إسقاط النظام الإيراني بقدر ما ينصب على تفكيك مناعته البنيوية: إضعاف المركز، تسييس الهويات الفرعية، والحاجة لنظام علماني وتزايد الاهتمام ببدائل سياسية لا تحمل مشروع دولة واضحة، بل مشاريع انتقال فضفاضة. والرهان هنا ليس على (إيران ديمقراطية) بل على (إيران مُنهكة) متعددة المراكز بلا قرار مركزي حاسم.
نعم من الصعب تجاهل سجل إيران في المنطقة ولا يمكن تبرير تدخلاتها أو التقليل من أضرارها. لكن السياسة لا تُدار بمنطق المحاسبة الأخلاقية وحدها. السؤال الجوهري هو: أي سيناريو إيراني يخدم الحد الأدنى من الاستقرار في المنطقة؟ إيران الحالية على رغم تباين سياساتها مع مصالح الدول المجاورة تظل دولة يمكن احتواؤها والتنبؤ بسلوكها ضمن هامش معين. أما إيران المفككة فهي كيان بلا مركز، بلا التزامات، وبلا خطوط حمراء واضحة. في هذه الحالة، لا يصبح الخطر الإيراني هو التهديد الوحيد، بل يتحول الفراغ ذاته إلى تهديد.
أرى أن السيناريو الأكثر واقعية في المدى المنظور هو ما يمكن تسميته بـ(الضعف المُدار): استمرار النظام أو استبداله بنسخة قريبة مع تراجع القدرة على التدخل الخارجي وانشغال متزايد بالداخل. هذا السيناريو، على رغم أنه لا يحقق طموحات خصوم إيران يحدّ من أخطار الانفجار الإقليمي، ويُبقي إيران دولة يمكن احتواؤها والتفاوض معها.
من هنا، لا يمكن فهم احتمالية صعود نظام علماني أو إصلاحي معتدل في إيران بمعزل عن قراءة دقيقة لمواقف القوى الخارجية، ليس كما تعلنها، بل كما تُمارسها. الولايات المتحدة على سبيل المثال، لا تتعامل مع إيران بوصفها خصماً يجب إسقاطه بل منطقة استراتيجية يجب ضبطها. واشنطن تعلم أن إسقاط النظام الإيراني بالقوة أو عبر ضغط اقتصادي خانق سيؤدي إلى نتيجتين كارثيتين: الأولى، انفلات أمني واسع يعيد إنتاج نموذجي العراق وأفغانستان على نطاق أوسع وأكثر تعقيداً، والثانية، فتح المجال أمام الصين وروسيا لملء الفراغ السياسي والاقتصادي بسرعة. لذلك، فإن السياسة الأميركية تقوم على إبقاء إيران في حالة إنهاك طويل الأمد: اقتصاد مضغوط، شرعية مهزوزة، لكن من دون انهيار مؤسسي شامل.
هذا يفسر الضغط الاقتصادي بلا أفق إسقاط. العقوبات ليست أداة تغيير، بل أداة إبطاء. إبطاء قدرة إيران على التحول إلى قوة مستقرة هو الهدف، سواء كانت ثيوقراطية أو إصلاحية. واشنطن لا تمانع نظرياً صعود نظام إصلاحي أو علماني، لكنها لا تريد نظاماً قوياً ومستقراً بسرعة، لأن الاستقرار السريع يعني استعادة الدور الإقليمي ولو بأدوات مختلفة.
أوروبا، من جهتها، تتحرك بدافع مختلف ظاهرياً، لكنه يصب في النتيجة ذاتها. الأوروبيون يركزون على الملف الإيراني من زاوية (إدارة الأخطار) لا من زاوية الحسم. ما يقلقهم ليس طبيعة النظام بقدر ما يقلقهم انفجار الهجرة وانقطاع الطاقة وعودة الإرهاب العابر للحدود. لذلك، يظهر الدعم الإعلامي للاحتجاجات بلا حماية سياسية حقيقية. هو دعم أخلاقي محسوب، يهدف إلى حفظ ماء الوجه القيمي، من دون الالتزام بتبعات سياسية أو أمنية قد تنتج من انهيار الدولة.
الخليج العربي وعلى رغم البعد الجغرافي النسبي عن قلب السلطة الإيرانية فهو يعيش بالفعل انعكاسات مباشرة: من زيادة الاستعدادات الأمنية إلى مراجعة السياسات الاقتصادية وإعادة توجيه التحالفات مع القوى الكبرى.
أما إسرائيل، فهي اللاعب الأكثر وضوحاً في خبثه الاستراتيجي. إسرائيل لا تفكر في إيران بوصفها نظاماً معادياً فقط بل بوصفها كتلة جغرافية وبشرية كبيرة تشكل في حد ذاتها تهديداً طويل الأمد بغض النظر عن طبيعة الحكم. لذلك، فإن الهدف الإسرائيلي لا يتمثل في استبدال نظام بآخر بل في كسر قابلية إيران للتحول إلى دولة مستقرة وموحدة ذات قرار مركزي قوي. الضربات الأمنية الإسرائيلية محسوبة بعناية: لا حرب شاملة، ولا سلام، بل استنزاف ذكي لقدرات القوة، مع رسائل متناقضة للداخل الإيراني. هذه المنطقة الرمادية هي البيئة المثالية للمشاريع التفكيكية طويلة الأمد.
إسرائيل تدرك أن صعود نظام علماني أو إصلاحي قوي في إيران قد يكون أكثر خطورة عليها من النظام الثيوقراطي الحالي. نظام علماني مستقر قد يعيد بناء الاقتصاد، ويفتح علاقات دولية واسعة، ويعيد إنتاج النفوذ الإقليمي بأدوات ناعمة أكثر فاعلية. لذلك، الرهان الإسرائيلي الحقيقي هو على انتقال طويل، متعثر ومليء بالانقسامات، لا على تحول ناجح وسريع.
روسيا أيضاً بدورها تتعامل مع إيران بوصفها شريك ضرورة لا شريك خيار. موسكو لا تريد إيران ديمقراطية ليبرالية، لكنها أيضاً لا تريد إيران منهارة. ما تريده هو إيران مرتبطة بها أمنياً وعسكرياً، ومعزولة نسبياً عن الغرب. أي تحول إصلاحي يجب أن يمر عبر قنوات تضمن استمرار النفوذ الروسي في ملفات الطاقة والسلاح والأمن الإقليمي. لذلك تميل موسكو إلى دعم بقاء (النظام القديم) للدولة كما هو حتى لو تغيرت الواجهة السياسية.
أما الصين فهي على العكس إذ تنظر إلى إيران من زاوية جيوـ اقتصادية بحتة. طهران بالنسبة لبكين عقدة أساسية في (الحزام والطريق). ما يقلق الصين ليس طبيعة النظام بل عدم الاستقرار المزمن. انهيار إيران أو تفككها يعني فوضى تمتد على طول ممرات التجارة والطاقة، وهو كابوس استراتيجي للصين. لذلك، تفضل بكين تحولاً بطيئاً، محسوباً، يحافظ على الدولة من دون إعادة رسم الخرائط فجأة.
بالنسبة للعراق فأي انهيار للنظام الإيراني سيضع بلاد الرافدين أمام إعادة ترتيب فوري للميليشيات والتوازن الطائفي، كذلك سيخلق في سوريا فراغاً يستغله الفاعلون الإقليميون لتثبيت نفوذهم. لبنان سيشهد إعادة إنتاج الصراعات الطائفية القديمة تحت تأثير قوى خارجية، واليمن سيتحوّل إلى ساحة منافسة مفتوحة بين الأطراف في المنطقة بينما دول الخليج ستواجه ضغوطاً أمنية واستخباراتية مباشرة على حدودها، مع تدفق محتمل للهجرة والتهريب وموجات من النفوذ الجديد. بهذه الطريقة يصبح الجوار العربي متحركاً بقوة لتفاعلات سريعة لم تكن ممكنة قبل انهيار إيران.
التاريخ يوضح أن أي انتقال من (نظام ثيوقراطي) إلى (علماني أو إصلاحي) ليس سريعاً أبداً. مثال إيران ما بعد الشاه: الانتقال إلى الجمهورية الإسلامية كان سريعاً سياسياً لكنه شهد عشرة أعوام من صراعات داخلية بين التيارات المتعددة مع تدخلات خارجية. مثال مصر بين عامي 2011 و2013 والانتقال إلى حكم مدني بعد الثورة كشف أن استقرار النظام يحتاج أعواماً طويلة مع ضغوط خارجية مستمرة.
أرى أن السيناريو الأكثر خطورة هو الانهيار المفاجئ. في هذه الحال لن تكون إيران وحدها في قلب العاصفة. العراق، بساحته الهشة أصلاً، سيكون أول المتأثرين، تليه سوريا ولبنان وصولاً إلى أفغانستان. سنكون أمام شريط ممتد من عدم الاستقرار، يتحول إلى ممر مفتوح للسلاح، والمخدرات، والجماعات العابرة للحدود. وهذا ما أطلق عليه بعض الاستراتيجيين (خط الفوضى).
أما السيناريو الثالث، والأكثر تعقيداً، فهو التفكك البنيوي طويل الأمد: دولة لا تسقط دفعة واحدة، بل تتآكل من الداخل، وتتحول إلى مجموعة كيانات شبه مستقلة مدعومة خارجياً، ومتخاصمة في ما بينها. هذا السيناريو يخدم منطق السيطرة الإسرائيلية على الوضع لأنه يحوّل الخصوم الكبار إلى ساحات نزاع دائمة.
إيران المقبلة لن تكون استمراراً لإيران الخمينية… لكنها أيضاً لن تولد ديمقراطية سويسرية في ليلة وضحاها. الطريق نحو نظام علماني أو إصلاحي مستقر سيكون وعراً، دموياً في بدايته ومرهقاً في تفاصيله. لكن إن تحقق، فإن سقوط المشروع الثيوقراطي في طهران سيكون أكبر زلزال جيوسياسي يضرب الشرق الأوسط منذ قرن.
مقياس الذكاء السياسي العربي الآن لا يكمن في انتظار رد فعل الطرف الإيراني، بل في فهم شكل ما سيأتي بعده. فالدول لا تُقاس بتباين مواقفها تجاهنا فقط، بل بتأثير تحولاتها علينا. إيران، بحكم الجغرافيا والتاريخ، ستبقى عاملاً حاسماً في معادلة الشرق الأوسط مهما تغيّر نظامها. والسؤال الحقيقي لم يعد: هل تسقط إيران؟ بل: أي إيران سنواجه في العهد المقبل.




