إستحقاقات جديدة مع حكومة جديدة

الديار
يدرك نتانياهو أن رئاسته للحكومة في هذه المرة ستكون جوله الأخيرة في حياته السياسية، إذ لا يطمح بعدها للعودة للحكم والانتخابات والسياسة، وإنما سيكتفي باعتبار نفسه كما في اعتبار كثير من «الإسرائيليين» له بانه شاؤول الثاني أو الجديد (شاؤول القديم أول ملوك اليهود) وانه قد تجاوز بن غوريون في بقاءه في رئاسة الحكومة، إضافة إلى أنها فرصته الذهبية لينجو من السجن الذي كان يتهدده بتهم فساد ينظر بها القضاء نتياهو المتطرف سيصبح رمزا للاعتدال الظاهري بالقياس إلى شركاءه أصحاب الحماسة ايتامار بن غفير وسموترتش الوزيران الأكثر غلوا وتطرفا وربما حمقا في تاريخ حكوماتهم واللذان سيمسكان بملفات حساسة خاصة تجاه الأوضاع في كل من الضفة الغربية وغزة والأردن. نتياهو المتمرس والماكر سيغض النظر عن تصريحات الوزيرين التي لا تبشر بالخير على الأوضاع في المناطق الثلاثة ولكنه سيستطيع في نهاية الأمر السيطرة على أدائهما المتطرف حينما يرى ضرورات سياسية.
هذا في وقت تتدحرج فيه الأحداث بترتيب متبعثر، فالأردن الذي كان يخشى من احتمالات انهيار السلطة الفلسطينية وما يمكن أن يؤثر عليه ذلك سلبا بسبب حالة الارتباط العضوي لبلد لا زال واحدا بالتاريخ والجغرافية (فلسطين والأردن). هذا ما دعا الأردن لتوجيه ملاحظات في الأشهر الماضية للسلطة الفلسطينية محذرا ومطالبا إياها بتعديل أدائها بما يحول دون انهيارها ودخول الضفة الغربية في حالة فوضى من غير الممكن ضبطها، وتفيد معلومات بعض المطلعين على بواطن السياسة، أن عمان قد أجرت اتصالات عبر القطريين مع قيادات حركة حماس اللذين تستضيفهم الدوحة، ترتبت بموجبها زيارة رئيس المكتب السياسي السابق الأستاذ خالد مشعل لعمان في زيارة غير رسميه ولكنها استطالت لأسبوعين جال خلالها في مناطق الأردن والتقى بلفيف من الشخصيات السياسية والاجتماعية غير الرسمية حاليا ولكن القريبة من دوائر صنع القرار.
عندما انطلقت مسيرة نتنياهو نحو رئاسة الحكومة قبل قرابة الثلاثة عقود، قدم نفسه لجمهوره من خلال نشره لكتابه الأول (مكان تحت الشمس)، عبر فيه عن عقيدته السياسية التي يؤكد بها أن الضفة الغربية هي إسرائيل الحقيقية التي قام عليها مجد أجداده وليس ساحل المتوسط، وأضاف بأنه إذا لم يكن من حق اليهودي إقامة دولته في يهودا والسامرة (الإسم العبري للضفة الغربية)، فليس من حقه أن يستوطن في تل أبيب وسواحل المتوسط، منذ ذلك الزمن والرجل لا يخفي رغبته في ضم الضفة الغربية، أو على الأقل ومرحليا الكتل الإستيطانية الكبرى ومناطق الأغوار، فتعامل على الدوام وكأنه لا وجود لمسألة فلسطينية أصلا، وإنما هناك إشكال يتعلق بحمولة سكانية زائدة من الساكنين لا المواطنين، ومع امتلاكه لهذه العقيدة المعادية لكل فلسطيني بغض النظر عن وضعه السياسي أو تنسيقه الأمني، إلا أنه استطاع استجلاب دول عربية لمسيرة التطبيع، وهو حريص عليها باعتبارها إنجازا لحكوماته و مصدرا للإستثمار في المال و السياسة و الأمن، و إقلاق خصومه على الضفة الأخرى من الخليج، ولعله يبدي قليلا من الحرص على عدم إحراج هؤلاء المطبعين، بعكس شركاءه الجدد في حكومته، هؤلاء الذين لا يهمهم عرب أو غير عرب، ولا يلقون بالا لا للتطبيع والعلاقات الدبلوماسية والعقائد الإبراهيمية، فذلك بنظرهم ليس إلا من فارغ القول، فما يهمهم هو كسب مزيد من أصوات المتطرفين عبر أجندتهم الواضحة والمعلنة تجاه القدس والمسجد الأقصى، وفي ضم أراضي الضفة الغربية و التخلص من (ساكنيها).
هكذا تبعثرت الأحداث مع مجيء هذه الحكومة في تل أبيب، وأصبح الجميع أمام استحقاقات مختلفة عما كانوا يخططون له قبل مجيء هذه الحكومة وأصبحت رام الله اليوم هي القلقة من تدهور الأمور في الأردن لا العكس، فالسلطة الفلسطينية كانت قد تشكلت بموجب نصوص اتفاق أوسلو وحددت وظيفتها بالاتفاق بدقه، وبعد قرابه الثلاثة عقود على تشكيلها جرت في أوديتها مياه كثيرة، فلا حل الدولتين لا زال في التداول السياسي الجدي وإنما يتم تذكرة إعلاميا كلما اقتضت الحاجة، وكذلك مبادرة السلام العربية ( مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز 2002) التي لم تعد موجوده، ويعلن نتياهو أن لا دوله فلسطينية لا حقيقية ولا من حيث المظهر مسموح بإقامتها بالضفة الغربية و إنما أقصى ما يمكن للفلسطيني أن يحصل عليه هو حكم ذاتي محدود وهو المذكور نصا و صراحة باتفاق أوسلو.
هذا فيما يتآكل الدور السياسي والإداري والاقتصادي والخدماتي للسلطة الفلسطينية، باستثناء دورها في كل من التنسيق الأمني وإدارة شؤون الاتصال مع الجانب (الإسرائيلي) بخصوص إصدار تصاريح لأبناء الضفة الغربية للعمل في داخل (إسرائيل) كعماله رخيصة في اقتصاد الخصم النظري، هذا وضع غير قابل للتطور إيجابا، لا بأدوات السلطة وبعقيدتها السياسية ولا بالظروف التي قادت إلى تشكيل الحكومات المتعاقبة في تل أبيب حتى من قبل حكومة نتياهو-بن غفير- سموترتش.
رام الله وعمان ستكونان على موعد مع موجات ارتدادية للربيع العربي الزائف، والمؤامرة موجودة لكن الأداء السيء هو من يزودها بالوقود.




