إذ يجرؤ لولا دا سيلفا على تحدّي ترامب

كتب جورج كعدي في صحيفة العربي الجديد.
كان الرئيس البرازيلي إيناسيو لولا دا سيلفا قمّة في الجرأة، حين خاطب الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام: “لسنا في حاجة إلى شرطي عالمي”، ردّاً على اتهام ترامب القضاء البرازيلي بـ”الاضطهاد السياسي” لحليفه الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو، داعياً إلى إنهاء ما سمّاها “الحملة الشعواء” ضدّه. ويبدو أنّ الرئيس الأميركي لا يعي أنّه لا يتعامل مع دولة صغيرة من دول العالم الثالث، بل مع دولة كبرى، ذات قدرات وإمكانات بشرية وطبيعية بحجم البرازيل، ما يجعل مخاصمتها أشدّ صعوبةً. وليكتمل النقل بالزعرور، على ما يقول المثل في بلاد الشام، اندفع ترامب أخيراً في اتجاه رفع الرسوم الجمركية على البرازيل إلى 50%، علماً أن الصين، لا الولايات المتحدة، هي الشريك التجاري الأول للبرازيل، ما يحدّ من نفوذ أميركا الاقتصادي وتأثيرها.
نسي الرئيس ترامب أيضاً أنّه يدعو إلى “المنازلة” الضريبية الجديدة رئيساً لطالما أمتعه الكباش السياسي، فهو رجل من الفقراء الأشدّاء الذين واجهوا صعاب الحياة منذ اليفاع، وما استهابوا شيئاً، فعمل ماسح أحذية، وفقد إصبعه خلال عمله في أحد المصانع، وكان مناضلاً شرساً في المعارك ضدّ الديكتاتورية العسكرية في بلاده. سُجن ظلماً، وخرج من سجنه أشدّ صلابةً وأكثر شعبيةً، فهزم في انتخابات ديمقراطية غريمه اليميني، المتطرّف بولسونارو، الذي لم يبتلع الهزيمة حتى هذه الساعة، مثلما لم يبتلعها حليفه الأميركي.
من المرجّح أن يخسر ترامب معركته الضريبية مع البرازيل، لأنها قادرة على الصمود بسهولة في وجه الرسوم الجمركية التي فرضها
يخوض الرئيس الأميركي معركةً اقتصاديةً خاسرةً سلفاً مع البرازيل، فالولايات المتحدة ليست شريكاً تجارياً مهماً أو سياسياً. ووفقاً لتقرير حديث لوكالة موديز، لا تشكّل الصادرات البرازيلية إلى الولايات المتحدة سوى 1.7% من ناتج الاقتصادي البرازيلي. وبالتالي، البرازيل من الدول الأقلّ تأثّراً بحملة الضغوط الاقتصادية التي يشنّها ترامب في جهات العالم الأربع. ففي السنوات الماضية، عزّزت البرازيل علاقاتها السوقية مع نظرائها في مجموعة بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا وإيران ومصر وإثيوبيا والإمارات وإندونيسيا)، على حساب علاقاتها التجارية مع الدول الغربية. وكانت قمّة بريكس أخيراً (6 يوليو/ تموز الحالي) في ريو دي جانيرو، قمّةً برازيلية بامتياز، إذ كان الرئيس لولا دا سيلفا محرّكها الرئيس، وهو من تولّى صوغ البيان الختامي، الذي لم يذكر اسم الولايات المتحدة على الإطلاق، بل ركّز في النقاط العمليّة المهمة التي تهمّ الشعوب الناهضة إلى التخلّص من الهيمنة الأميركية، والتي تدعو بقوة ووضوح إلى إصلاح الهيئات الدولية مثل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والتخلّص من “الدولرة” العالمية، فضلاً عن الدعوة إلى إنهاء الإبادة في غزّة، وتأكيد حقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، إلى ما هنالك من نقاط أثارت غضب الرئيس الأميركي في القمّة الاستفزازية، التي يستهدف بيانها الختامي الولايات المتحدة حصراً، والرئيس لولا دا سيلفا هو من وقف وراء الاستهداف، والاستفزاز أيضاً.
من المرجّح أن يخسر ترامب معركته الضريبية مع البرازيل، لأنها قادرة على الصمود بسهولة في وجه الرسوم الجمركية التي فرضها. ويقول مساعدو الرئيس لولا إنّه لن يتراجع عن المواجهة مع البيت الأبيض، بل قد يستفيد سياسياً من “المنازلة” مع ترامب، وستكون ردوده “حازمةً وجريئةً”، بحسب أحد مساعديه. “البرازيل دولة ذات سيادة، فيها مؤسّسات مستقلّة، ولن نقبل بأن يستهين بها أيُّ طرف”، قال الرئيس البرازيلي في بيانه شديد اللهجة، ولم يكن قولاً شعاراً.




