رأي

أوروبا تبدأ انسحابها التدريجي من الاعتماد على الولايات المتحدة.

الاتحاد الأوروبي يتجه إلى إعادة صياغة علاقته مع الولايات المتحدة عبر تقليص اعتماده عليها في الدفاع والطاقة والتكنولوجيا والتمويل، مدفوعاً بتراجع الثقة السياسية وتصاعد المخاوف من الارتهان الجيوسياسي.

يخطو الاتحاد الأوروبي خطواتٍ متسارعة نحو تقليص اعتماده البنيوي على الولايات المتحدة في مجالات حيوية، من التكنولوجيا والطاقة، إلى المدفوعات والدفاع، في مسارٍ طويل الأمد يعكس تحوّلات عميقة في العلاقات عبر الأطلسي.

وتتسابق الحكومات والشركات الأوروبية اليوم لإعادة النظر في اعتمادها على التكنولوجيا الأميركية، والمعدات العسكرية، ومصادر الطاقة، في ظل تدهور الثقة السياسية مع واشنطن، وتصاعد القلق من استخدام الاعتماد المتبادل كورقة ضغط جيوسياسية.

على مدى عقود، استند الاتحاد الأوروبي إلى مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو) لضمان أمنه الجماعي، وإلى التكنولوجيا الأميركية كرافعةٍ أساسيةٍ لاقتصاده.

غير أن تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضم غرينلاند، إلى جانب خطاب عدائي متكرر تجاه أوروبا من داخل إدارته، أعادا إحياء دعواتٍ أوروبية متزايدة للاستقلال الاستراتيجي.

وقال المستشار الألماني فريدريش ميرتس الأسبوع الماضي: “إذا أردنا أن نُؤخذ على محمل الجد مجدداً، فعلينا أن نتعلّم لغة السياسة القائمة على القوة”.

وتتكثف الجهود الأوروبية للحد من الارتهان لواشنطن. ويحذّر قادة الاتحاد من أن العلاقات عبر الأطلسي لن تعود، على الأرجح، إلى ما كانت عليه قبل عهد ترامب.

وأكّد مسؤولون أوروبيون أن هذه المقاربة تندرج في إطار “تخفيف المخاطر” لا “فك الارتباط” الكامل، وهو توصيف كان يُستخدم حتى وقتٍ قريب حصراً في سياق العلاقة مع الصين. أما اليوم، فقد بات يُطبّق أيضاً على الولايات المتحدة، الشريك التجاري الأول لأوروبا وضامنها الأمني التقليدي.

ولا تزال هذه الجهود في مراحلها الأولى. فالولايات المتحدة تبقى الشريك التجاري الأكبر للاتحاد الأوروبي بفارقٍ واسع، وسيستغرق الأمر سنواتٍ قبل تقليص الاعتماد على الدعم التكنولوجي والعسكري الأميركي، وفق جان-لوك ديمارتي، المسؤول السابق عن التجارة في المفوضية الأوروبية.

في هذا السياق، كثّفت بروكسل تحركاتها التجارية، فأبرمت اتفاقيات مع دول ميركوسور في أميركا اللاتينية، ومع الهند وإندونيسيا، وعدّلت اتفاقها مع المكسيك، وأعادت إحياء مفاوضات متعثرة مع أستراليا.

الدفاع عن أوروبا: من حلف الناتو إلى الاتحاد الأوروبي
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكّل حلف الناتو الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي، بتمويلٍ أميركي وازن. لكن في اجتماعٍ عُقد في زغرب، قال قادة أوروبيون محافظون، بينهم ميرتس، إن الوقت حان لتفعيل بند الدفاع المشترك في الاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم الدول الأعضاء بالدفاع عن أي دولة تتعرض لعدوان.

ورغم إدراج هذا البند في المادة 42.7 من معاهدات الاتحاد منذ عام 2009، إلا أنه ظلّ عملياً مهمشاً بفعل الاعتماد على المادة الخامسة من ميثاق الناتو.

اليوم، بدأت الحكومات الأوروبية تُشكك علناً في مدى استعداد واشنطن للتدخل عسكرياً دفاعاً عن أوروبا. وفي زغرب، كلّف القادة اثنين من كبار المسؤولين، لم يُكشف عن اسميهما، بوضع خطط عاجلة لتحويل الالتزام الدفاعي الأوروبي إلى ضمانة أمنية عملية.

وقال دبلوماسي أوروبي رفيع: “لعقود قيل لنا: لدينا الناتو، فلماذا نحتاج إلى هياكل موازية؟ بعد تهديدات ترامب بشأن غرينلاند، بات إنشاء قيادة عسكرية أوروبية ضرورة لا خياراً”.

في المقابل، قال الأمين العام للناتو مارك روته، أمام البرلمان الأوروبي، إن من يعتقد أن أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة “عليه أن يواصل أحلامه”.

ورغم استمرار الاعتماد الأوروبي على القدرات الأميركية، ولا سيما في دعم أوكرانيا، إلا أن نقاشاً متزايداً يدور داخل أوروبا حول كلفة تقليص هذا الاعتماد، بوصفه ثمناً يمكن تحمّله.

التكنولوجيا: وداعاً لـ “Teams”، ومرحباً بـ “Visio”
يتجلّى التحول بوضوح في القطاع التكنولوجي، حيث لطالما أثار الاعتماد على منصات أميركية كـ”ـGoogle” و”Meta” و”X” قلقاً شعبياً وسياسياً، تُرجم بدعم واسع لتشريعات الاتحاد الرقابية.

تعتزم الحكومة الفرنسية حظر استخدام المسؤولين لأدوات مؤتمرات الفيديو الأميركية، وتدرس دول أخرى، بينها ألمانيا، خطوات مماثلة.

وقالت مفوضة التكنولوجيا في الاتحاد الأوروبي هينا فيركونين: “أوروبا تمرّ بمرحلة استقلالها. بات واضحاً أن الاعتماد على دولة أو شركة واحدة في التقنيات الحيوية لم يعد خياراً آمناً”.

وأعلنت باريس أنها ستستبدل منصات مثل Zoom وTeams بأداة Visio المعتمدة على بنية تحتية فرنسية. وفي البرلمان الأوروبي، تتصاعد الدعوات للتخلي عن البرمجيات والأجهزة الأميركية، بما فيها أنظمة حجز السفر.

وفي ألمانيا، يبحث سياسيون عن بدائل أوروبية لبرمجيات شركة “بالانتير” الأميركية، فيما تتصاعد في هولندا دعوات لحماية التقنيات الحساسة من النفوذ الأميركي، بعد عريضة وقّعها 140 ألف مواطن.

وفي منتدى دافوس، أُعلن عن إطلاق منصة تواصل اجتماعي أوروبية جديدة باسم “W”، تُسوّق نفسها بديلاً أوروبياً لمنصة “X”، مع تعهّد باستضافة البيانات على خوادم أوروبية وبتمويل أوروبي حصري.

الطاقة: حان وقت التنويع
في قطاع الطاقة، يتكرس الاتجاه ذاته. فالولايات المتحدة تؤمّن أكثر من ربع واردات الغاز الأوروبية، وهي نسبة مرشحة للارتفاع مع الحظر الكامل على الغاز الروسي.

غير أن مفوض الطاقة دان يورغنسن حذّر من استبدال اعتمادٍ بآخر، واصفاً تصريحات ترامب حول غرينلاند بأنها جرس إنذار يربط الطاقة مباشرة بالسياسة الجيوسياسية.

وأوضح أن بروكسل تكثّف محادثاتها مع موردين بديلين، من بينهم كندا وقطر ودول شمال أفريقيا، وفي مقدمها الجزائر.

التمويل: التحول إلى المدفوعات الأوروبية
تشمل المراجعة أيضاً أنظمة الدفع، وسط تحذيرات من الاعتماد المفرط على فيزا وماستركارد. ويُنظر إلى “اليورو الرقمي”، المتوقع إطلاقه عام 2029، كأداة سيادية لتعزيز الاستقلال المالي.

وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد: “مع اليورو الرقمي، سيبقى الأوروبيون متحكمين في أموالهم ومستقبلهم”.

وفي ألمانيا، أُثير جدل حول احتفاظ البلاد بـ1236 طناً من الذهب في نيويورك، معتبرين ذلك مخاطرة في ظل سياسات أميركية غير متوقعة.

الاستثمار العسكري: تعزيز القدرات الذاتية
ينص برنامج أوروبي بقيمة 150 مليار يورو لتعزيز الاستثمارات الدفاعية على ألا تتجاوز المكونات المستوردة من خارج الاتحاد 35% من أي صفقة، مع استبعاد الولايات المتحدة من صفة الدولة الشريكة.

ويرى حزب الشعب الأوروبي أن مجالات الاستخبارات، والدفاع الصاروخي، والنقل الاستراتيجي، والفضاء، يجب أن تكون أولوية لتعزيز القدرات الذاتية.

وعندما أقرّ الحزب خارطة طريقه لعام 2026 في زغرب، شدد على تطبيق مبدأ “الشراء الأوروبي”. أما عنوان الخارطة فكان لافتاً ومباشراً: “حان وقت الاستقلال”.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى