
كتب يحيى دبوق, في الأخبار:
تمضي واشنطن وطهران في مفاوضات مشوبة بالغموض والتهديد، حيث يتقاطع التحشيد العسكري مع الدبلوماسية، وسط مخاطر انزلاقٍ نحو مواجهة إقليمية أو تسوية مؤقتة.
تمضي الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران اليوم، على إيقاع مختلف تماماً عمّا كان سائداً في الجولات التفاوضية السابقة. فللمرة الأولى منذ سنوات، تجري المحادثات بينما تنتشر حاملات الطائرات الأميركية في الخليج، وتتجهّز القواعد العسكرية في المنطقة للحرب، فيما يتبادل المسؤولون من الجانبين تهديدات صريحة بإمكان اللجوء إلى القوة أو الردّ عليها. وتوصف هذه الوضعية بـ”الغموض الاستراتيجي”، وهي مقصودة، وتهدف، أقلّه من الجانب الأميركي، إلى إعادة إدخال الخيار العسكري إلى حسابات طهران بشكل واقعي – وهو ما نجحت فيه واشنطن بالفعل -، لا بوصفه تهديداً لفظياً مشابهاً لما جرى قبل التوصّل إلى الاتفاق النووي عام 2015.
فالولايات المتحدة فاوضت الجانب الإيراني في السابق، لكنها كانت تفتقر إلى مصداقية التهديد العسكري، وهو ما أدركته إيران جيداً واستغلّته لمصلحتها التفاوضية، مدركةً مُسبقاً أن الفشل التفاوضي لن يُترجم تلقائياً إلى عمل عسكري. إلا أن الصورة تغيّرت اليوم؛ فالتحشيد العسكري المتزامن مع المفاوضات، والتلويح الأميركي بأن الحرب مقبلة ما لم تتنازل طهران، من شأنهما أن يفرضا على صنّاع القرار في طهران مراجعة حساباتهم. ذلك أن الرفض المطلق للمطالب الأميركية لم يعُد يعني انهيار المحادثات وعودة العقوبات فقط، بل قد يؤول إلى مواجهة عسكرية حقيقية، ربّما تصل إلى ما يوصف بالتهديد الوجودي للنظام الإسلامي في إيران.
وعليه، فإن التغيير في الاستراتيجية الأميركية، من شأنه أن يرتّب ضغطاً معتدّاً به، ويمكن نظرياً الرهان عليه لدفع إيران نحو تقديم تنازلات ما كانت ربما لتقْدم عليها لو بقيت المفاوضات منفصلة عن التهديد العسكري. لكن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطرة من جانب الولايات المتحدة؛ فالضغوط ذات المصداقية المسلّطة على إيران، تؤدّي في المقابل إلى تفعيل ضغوط على الإدارة الأميركية في سياقات التهديد نفسه، إذ في حال رفضت طهران تقديم الحدّ الأدنى المقبول من التنازلات، فستجد واشنطن نفسها أمام خيار صعب: فإمّا أن تنفّذ تهديداتها العسكرية وتتحمّل تبعات حرب إقليمية مُعقّدة، وإمّا أن تتراجع وتكتفي بتنفيذ ضربات عسكرية محدودة، فتفقد بالتالي مصداقيتها الاستراتيجية ليس أمام إيران فقط، بل أمام الآخرين أيضاً وعلى رأسهم روسيا والصين؛ والثمن الثاني قد يكون، في ميزان الكلفة والجدوى استراتيجياً، أكبر من الأول.
أي نتيجة للمواجهة الحالية، مهما بدت حاسمة في لحظتها، ستفتح الباب لجولة تليها
الواضح حتى الآن، أن الحدّ الأقصى الذي يمكن لإيران أن تصل إليه، لا يبلغ الحدّ الأدنى الذي تطالب به الولايات المتحدة. وإذا جرى الحكم على المفاوضات بناءً على هذه السقوف، فالأرجح أنها آيلة إلى السقوط، وهو ما سيعني وضع الطرفين نفسيهما في مسار تصادمي. وعلى الرغم من أن المفاوضات محاطة بالغموض، فإن الكثير من الفرضيات التي تُطرح إعلامياً، ومنها ما هو مدفوع من الإدارة الأميركية نفسها لمعاينة ردود الفعل المحتملة، تُعدّ من ناحية إيران، استسلاماً كاملاً بلا شروط وبلا عوائد، ومنها ما يُفقِد النظام هويته وشرعيته. وفي حال إصرار واشنطن على هذه المطالب، فسيعني ذلك أنها قرّرت تبنّي الخيارات العسكرية، وأن المفاوضات كانت بالنسبة إليها مجرّد تكتيك لشرعنة تلك الخيارات والتجهيز لها.
إلى الآن، يرفض الطرفان الكشف عن نياتهما وعن سقوفهما التفاوضية وخياراتهما العسكرية، وهو ما ينطبق أكثر على الولايات المتحدة، التي تسعى للحفاظ على هامش مرونة في حال اتجهت الأمور إلى الفشل، ومن ثم الحرب. لكن هل ستنجح هذه المقاربة؟ المنطق يقول إنه ما لم تكن هناك نيّات ابتدائية بالحرب، فإن الاحتمال الأقرب ليس النجاح التامّ ولا الفشل التامّ، بل تسوية تسمح للطرفين بالخروج بمظهر الرابح.
وأياً يكن ما ستحمله الأيام المقبلة، ومهما انتهت إليه هذه المواجهة، سواء بتسوية مؤقّتة أو بمواجهة عسكرية، فلن تكون المحطة الأخيرة، إذ يفتقر الطرفان إلى القدرة على حسم الصراع نهائياً، وتحقيق نتائج كاملة تلغي الخصم من المعادلة. فالولايات المتحدة، رغم جبروتها وقدرتها المادية، لا تستطيع إسقاط النظام في إيران من دون دفع ثمن إقليمي باهظ؛ وطهران، بدورها، عاجزة إلى الآن عن طرد النفوذ الأميركي من المنطقة. ولهذا السبب، فإن أي نتيجة مقبلة، مهما بدت حاسمة في لحظتها، ستفتح الباب لجولة تليها.



