أميركا أولًا… أم إسرائيل أولًا؟

محمد الصالحين الهوني – العرب:
الهجوم الأميركي على إيران فضح التناقض بين شعار “أميركا أولًا” والواقع العملي؛ حيث بدا أن أمن إسرائيل هو المحدد الأول لقرارات واشنطن الإستراتيجية في المنطقة.
منذ اللحظة التي أعلنت فيها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مشاركتها في الهجوم العسكري المشترك مع إسرائيل ضد إيران، بدا واضحا أن شعار “أميركا أولًا” الذي شكّل حجر الزاوية في حملته الانتخابية يتعرض لاختبار قاسٍ. فالمبررات التي قدمها البيت الأبيض وحلفاؤه في الكونغرس لم تكن ثابتة، بل تغيرت بسرعة وبصورة تكشف ارتباكا في صياغة السياسة الخارجية الأميركية. رئيس مجلس النواب مايك جونسون أشار إلى أن البيت الأبيض اعتقد أن إسرائيل كانت عازمة على التحرك ضد إيران بمفردها، ما وضع الرئيس أمام قرار شديد الصعوبة. هذا التصريح يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة الأولويات الأميركية: هل تتحرك واشنطن وفقا لمصالحها الوطنية المباشرة، أم أنها تنخرط في صراع إقليمي واسع لأن إسرائيل قررت أن الوقت قد حان للمواجهة؟
العملية التي وُصفت بأنها “دفاعية” لم تكن دفاعا عن الأراضي الأميركية أو مصالحها الحيوية المباشرة، بل جاءت استجابة لخشية من أن إسرائيل ستنفذ هجوما منفردا قد يجر المنطقة إلى فوضى أكبر. هنا يتضح أن القرار الأميركي لم ينبع من تقييم مستقل للمخاطر والفرص، بل من حسابات مرتبطة بحليف إستراتيجي يملك نفوذا كبيرا في دوائر صنع القرار بواشنطن. هذا التحول في المبررات يعكس تناقضا صارخا مع شعار “أميركا أولًا”، إذ كيف يمكن لإدارة ترفع شعار الانكفاء وعدم التورط في الخارج أن تجد نفسها في قلب حرب إقليمية معقدة، تقتل فيها المئات بينهم جنود أميركيون، وتفتح الباب أمام طلب تمويل إضافي من الكونغرس لدعم المجهود العسكري؟
مقتل المرشد الإيراني وتوسع رقعة الحرب وضعا الولايات المتحدة في قلب صراع إقليمي معقد يثير تساؤلات حول صدقية شعاراتها وحدود التزامها بمصالحها الوطنية المباشرة
المشهد يزداد تعقيدا حين نضع في الاعتبار أن الرئيس ترامب نفسه صرح بأن الحرب قد تستمر لأسابيع، بينما أكد جونسون أن القائد الأعلى للقوات المسلحة قال إنها ستكون قصيرة المدة. هذا التناقض في التقديرات يعكس غياب رؤية واضحة، ويكشف أن الإدارة تتحرك تحت ضغط الأحداث أكثر مما تتحرك وفق إستراتيجية مدروسة. في مثل هذه الظروف، يصبح السؤال حول الأولويات أكثر إلحاحا: هل الهدف حماية المصالح الأميركية، أم ضمان أن إسرائيل لا تخوض معركتها منفردة؟ وإذا كان الخيار الثاني هو الدافع الحقيقي، فإن شعار “أميركا أولًا” يتحول إلى مجرد أداة خطابية لا صلة لها بالواقع العملي.
النتائج المباشرة للهجوم كانت كارثية على أكثر من مستوى. مقتل المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي مثّل ضربة غير مسبوقة للنظام الإيراني، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام تصعيد واسع النطاق في الشرق الأوسط. الردود الإيرانية لم تقتصر على الخطاب السياسي، بل امتدت إلى عمليات عسكرية استهدفت مصالح أميركية مباشرة. هذا التطور يضع الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع إيران، ويجعلها طرفا رئيسيا في صراع إقليمي لم يكن جزءا من أولوياتها المعلنة.
الكونغرس بدوره لم يقف بعيدا عن هذه المعادلة. المشرعون أشاروا إلى أن الإدارة تعتزم طلب تمويل إضافي لدعم المجهود العسكري، وهو ما يعني أن دافعي الضرائب الأميركيين سيتحملون كلفة حرب لم تُبنَ على أساس حماية مباشرة لمصالحهم، بل على أساس حماية إسرائيل من مواجهة منفردة مع إيران. هذا التوجه يثير جدلا داخليا واسعا، إذ يرى كثيرون أن الولايات المتحدة تنحرف عن أولوياتها الوطنية لتضع أمن إسرائيل في المقدمة، حتى لو كان ذلك على حساب أرواح الجنود الأميركيين واستقرار الاقتصاد الوطني.
الانعكاسات الإقليمية لهذه الحرب تتجاوز حدود إيران وإسرائيل. الشرق الأوسط بأسره دخل مرحلة جديدة من التصعيد، حيث تتقاطع خطوط التماس بين القوى الإقليمية والدولية بشكل غير مسبوق. مقتل المئات في الأيام الأولى من الحرب يعكس حجم الكارثة الإنسانية، ويضع المنطقة أمام خطر انفجار شامل. الولايات المتحدة، التي كانت تسعى لتقليص وجودها العسكري في المنطقة، تجد نفسها الآن في قلب معركة قد تستنزف مواردها وتضعها في مواجهة مفتوحة مع قوى إقليمية ودولية. هذا الواقع يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الإدارة على التحكم في مسار الأحداث، وحول ما إذا كانت واشنطن قد فقدت زمام المبادرة لصالح حسابات إسرائيلية فرضت نفسها على القرار الأميركي.
مقتل جنود أميركيين، توسع رقعة الحرب، الحاجة إلى تمويل إضافي، كلها عوامل تجعل من الصعب القول إن واشنطن تتحرك وفقاً لمبدأ “أميركا أولًا”
من الناحية الدولية، الحرب تضع الولايات المتحدة أمام أزمة شرعية. وصف العملية بأنها “دفاعية” لا يقنع المجتمع الدولي، خاصة وأن الهجوم أسفر عن اغتيال شخصية سياسية ودينية تعتبر رأس النظام الإيراني. هذا النوع من العمليات يُنظر إليه عادة كعمل هجومي يهدف إلى تغيير موازين القوى، وليس كإجراء دفاعي. في المقابل، إسرائيل تحقق مكاسب مباشرة من خلال إضعاف خصمها الرئيسي.
هذا الوضع يفتح الباب أمام نقاش داخلي عميق في الولايات المتحدة. أنصار شعار “أميركا أولًا” يرون أن الإدارة خانت مبادئها الأساسية حين انخرطت في حرب خارجية مكلفة، بينما أنصار التحالف الإستراتيجي مع إسرائيل يرون أن أمن إسرائيل جزء لا يتجزأ من أمن الولايات المتحدة، وأن تركها تواجه إيران منفردة كان سيؤدي إلى نتائج أكثر كارثية. هذا الانقسام يعكس التوتر المستمر في السياسة الأميركية بين الانكفاء على الداخل والانخراط في الخارج، وهو توتر لم تحسمه أي إدارة بشكل نهائي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لكن في حالة ترامب، يصبح التناقض أكثر وضوحا لأن شعاره الانتخابي كان يقوم على رفض التورط الخارجي، بينما الواقع يظهر انخراطا عميقا في صراع إقليمي معقد.
النتيجة النهائية لهذه الحرب لم تتضح بعد، لكن المؤشرات الأولية تشير إلى أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة جديدة من الانكشاف الإستراتيجي. مقتل جنود أميركيين، توسع رقعة الحرب، الحاجة إلى تمويل إضافي، كلها عوامل تجعل من الصعب القول إن واشنطن تتحرك وفقاً لمبدأ “أميركا أولًا”. على العكس، يبدو أن أمن إسرائيل أصبح المحدد الأول للقرار الأميركي، حتى لو كان ذلك يعني التضحية بمصالح أميركية مباشرة. هذا التحول يثير أسئلة حول مستقبل السياسة الخارجية الأميركية، وحول ما إذا كانت واشنطن قادرة على إعادة صياغة أولوياتها بما يتناسب مع مصالحها الوطنية، أم أنها ستظل رهينة لتحالفات تفرض عليها خيارات لا تتوافق مع شعاراتها المعلنة.
الإجابة على هذا الأسئلة لن تحدد فقط مستقبل إدارة ترامب، بل ستحدد أيضا موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي الجديد الذي يتشكل وسط صراعات الشرق الأوسط.




