رأي

أربعة سيناريوهات لمستقبل ليبيا: من الانقسام إلى إعادة البناء

صلاح الهوني – العرب:

خيار “اللاحرب واللاسلم” الطريق الأسهل و”الأكثر خطورة” على مستقبل ليبيا ووحدتها.

منذ سقوط النظام عام 2011، لم تعرف ليبيا طريقًا واضحًا نحو الاستقرار. فكل مرحلة من مراحل الصراع أفرزت ترتيبات جديدة، لكنها سرعان ما انهارت أمام الانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية. واليوم، وبعد مرور أكثر من عقد ونصف على الثورة، تقف البلاد أمام مفترق طرق حاسم: إما أن تستمر في حالة الجمود السياسي التي أنهكت مؤسساتها، أو أن تنجح في صياغة تسوية برعاية دولية، أو أن تنزلق مجددًا إلى مواجهة عسكرية، أو أن تبحث عن مسار اقتصادي – اجتماعي بديل يخفف من حدة الأزمة. هذه السيناريوهات الأربعة ليست مجرد احتمالات نظرية، بل هي خيارات مثيرة للجدل يتم الحديث عنها على أرض الواقع، وكل منها يحمل تبعات عميقة على مستقبل ليبيا ووحدتها ومكانتها الإقليمية.

في هذا المقال، نحاول تفكيك هذه السيناريوهات، واستشراف نتائجها المحتملة، مع إبراز التناقضات التي تحيط بها والرهانات التي تفرضها على الداخل الليبي والمجتمع الدولي. الهدف ليس التنبؤ بمسار واحد، بل فهم طبيعة اللحظة الراهنة، حيث تتداخل مصالح القوى المحلية والإقليمية والدولية، وتتشابك التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، لتجعل من ليبيا ساحة اختبار معقدة لمستقبل المنطقة بأسرها.

لا حرب… لا سلم
من بين السيناريوهات الأربعة المطروحة، يبدو استمرار الجمود السياسي هو الأكثر واقعية على المدى القصير، لأنه يعكس طبيعة الانقسام العميق الذي يعيشه المشهد الليبي منذ سنوات. فوجود حكومتين متنافستين، إحداهما في طرابلس بقيادة حكومة الوحدة الوطنية، والأخرى في الشرق تحت مسمى حكومة الاستقرار الوطني المدعومة من الجيش الوطني الليبي، يجعل أي محاولة لتوحيد السلطة أو المضي نحو انتخابات شاملة أمرًا بالغ الصعوبة.

الحرب ليست الخيار المفضل لكنها تظل “الخيار الأخير” الذي قد تلجأ إليه جميع أطراف النزاع إذا شعرت بأن مصالحها مهددة أو أن التوازنات القائمة لم تعد تخدم مصالحها

هذا الجمود لا يقتصر على المؤسسات التنفيذية، بل يمتد إلى السلطة القضائية نفسها، حيث يشهد القضاء انقسامات حادة حول شرعية القرارات وتعيين المسؤولين. كما أن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لم يتمكنا حتى الآن من التوافق على قاعدة دستورية تنظم الانتخابات، ما يعني أن المسار الانتخابي يظل معطّلًا إلى أجل غير مسمى. في ظل هذه الظروف، يصبح الحديث عن انتقال سياسي سلس أقرب إلى الوهم، فيما يترسخ واقع “اللاحرب واللاسلم” الذي ينهك الدولة والمجتمع معًا.

النتائج المحتملة لهذا السيناريو خطيرة ومتعددة الأبعاد. على المستوى الداخلي، يؤدي استمرار الجمود إلى تآكل الثقة الشعبية في المؤسسات، ويعزز شعور المواطنين بأن النخب السياسية غير قادرة على تقديم حلول حقيقية. هذا الشعور يفتح الباب أمام تنامي السخط الاجتماعي، وربما عودة الاحتجاجات أو حتى بروز قوى جديدة خارج الإطار الرسمي. على المستوى الإقليمي والدولي، يتيح الجمود استمرار التدخلات الخارجية دون حسم، حيث تستغل القوى الإقليمية والدولية الانقسام لتعزيز نفوذها، ما يعمّق الأزمة بدلًا من حلها.

من زاوية تحليلية، يمكن القول إن هذا السيناريو هو “الاستمرار الطبيعي” للوضع الراهن، لأنه لا يتطلب تغييرات جذرية أو تنازلات كبيرة من الأطراف. لكنه في الوقت نفسه يحمل خطرًا كامناً: فكلما طال أمد الجمود، زادت احتمالات الانفجار عند أول أزمة أمنية أو اقتصادية. بمعنى آخر، الجمود ليس استقرارًا، بل هو حالة مؤقتة تخفي تحتها احتمالات انهيار مفاجئ.

إن استمرار الجمود السياسي في ليبيا يعكس مأزقا عميقا: الأطراف المتصارعة تفضّل الحفاظ على مواقعها الحالية بدلًا من المخاطرة بتسوية قد تفقدها بعض النفوذ، لكن هذا الخيار يضع البلاد على حافة الانهيار. لذلك، يمكن اعتبار هذا السيناريو بمثابة “الطريق الأسهل” للأطراف، لكنه أيضًا “الأكثر خطورة” على مستقبل ليبيا ووحدتها.

تسوية برعاية دولية
إذا كان الجمود السياسي هو السيناريو الأكثر واقعية على المدى القصير، فإن التسوية السياسية برعاية دولية تمثل الأمل الأكبر للخروج من الأزمة الليبية على المدى المتوسط. هذا السيناريو يقوم على فرضية أن الأطراف المحلية، رغم تمسكها بمواقعها، ستجد نفسها مضطرة تحت ضغط المجتمع الدولي والإقليمي إلى القبول بتسوية تفتح الطريق أمام انتخابات عامة وتوحيد المؤسسات.

ملامح هذا السيناريو تتضح في عدة عناصر: أولها الضغوط الأممية المتزايدة، حيث يواصل المبعوثون الدوليون التأكيد على ضرورة التوافق على قاعدة دستورية للانتخابات، باعتبارها المدخل الوحيد لإنهاء الانقسام. ثانيها الضغوط الأميركية والأوروبية، التي ترى في استمرار الأزمة تهديدًا مباشرًا لمصالحها في المتوسط، خصوصًا ما يتعلق بالهجرة والطاقة. ثالثها التفاهمات الإقليمية، حيث تلعب مصر وتركيا والإمارات دورًا محوريًا في التأثير على الأطراف الليبية، سواء عبر الدعم العسكري أو عبر الوساطات السياسية.

النتائج المحتملة لهذا السيناريو تحمل وعودًا كبيرة: تشكيل حكومة موحدة أو مجلس رئاسي جديد قادر على إدارة المرحلة الانتقالية، فتح الطريق أمام انتخابات عامة تمنح الشرعية لمؤسسات جديدة، وتعزيز دور المجتمع الدولي كضامن لهذه العملية. مثل هذه الخطوات يمكن أن تضع ليبيا على مسار مختلف تمامًا، يخفف من حدة الانقسام ويمنح المواطنين فرصة لاستعادة الثقة في العملية السياسية.

لكن هذا السيناريو ليس سهلًا، بل يتطلب تنازلات مؤلمة من الأطراف المتصارعة. فكل طرف يخشى أن يخسر جزءًا من نفوذه إذا قبل بتسوية شاملة، كما أن القوى الإقليمية نفسها قد لا تكون متفقة تمامًا على شكل الحل. إضافة إلى ذلك، هناك مخاوف من أن تتحول الانتخابات إلى ساحة جديدة للصراع إذا لم تُبنَ على قاعدة دستورية متينة وضمانات أمنية حقيقية.

على المستوى الإقليمي والدولي يتيح الجمود استمرار التدخلات الخارجية دون حسم، حيث تستغل القوى الإقليمية والدولية الانقسام داخل ليبيا لتعزيز نفوذها ما يعمق الأزمة بدلا من حلها

من زاوية تحليلية، يمكن القول إن هذا السيناريو هو الأكثر أمانًا على المدى الطويل، لأنه يفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة على أسس شرعية ودستورية. لكنه في الوقت نفسه هو السيناريو الأكثر تعقيدًا، لأنه يتطلب توافقا داخليا وإقليميا ودوليا في آن واحد، وهو ما لم يتحقق حتى الآن بشكل كامل. ومع ذلك، يبقى هذا المسار هو الخيار الوحيد القادر على إنهاء الأزمة بشكل سلمي ومستدام، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والضغط الدولي الكافي.

عودة المواجهات العسكرية
رغم أن وقف إطلاق النار الموقع عام 2020 حدّ من المواجهات الكبرى بين الشرق والغرب، فإن احتمال عودة ليبيا إلى ساحة حرب مفتوحة لا يزال قائمًا. هذا السيناريو يقوم على فرضية أن استمرار الجمود السياسي، وتفاقم الانقسامات، قد يؤديان إلى انهيار التفاهمات الهشة، وعودة الأطراف إلى استخدام القوة كوسيلة لحسم الصراع.

ملامح هذا السيناريو تتضح في عدة مؤشرات: أولها هشاشة الترتيبات الأمنية الحالية، حيث لا توجد قوة موحدة قادرة على فرض الاستقرار في جميع أنحاء البلاد. ثانيها استمرار وجود قوات مسلحة متوازية، بعضها يتبع حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وبعضها الآخر يتبع الجيش الوطني الليبي في الشرق، إضافة إلى مجموعات مسلحة محلية ذات ولاءات متغيرة. ثالثها التدخلات الإقليمية، إذ لا تزال بعض القوى الخارجية مستعدة لدعم حلفائها عسكريًا إذا اقتضت الحاجة، ما يجعل أي مواجهة محلية مرشحة للتحول إلى صراع إقليمي بالوكالة.

النتائج المحتملة لهذا السيناريو كارثية على أكثر من صعيد. داخليًا، يعني تجدد الحرب الأهلية انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة، وتفاقم الأزمة الإنسانية، مع موجات نزوح جديدة وتدهور الخدمات الأساسية. اقتصاديًا، سيؤدي الصراع إلى تعطيل إنتاج النفط، وهو المصدر الرئيسي للدخل القومي، ما يفاقم الأزمة المالية ويزيد من معاناة المواطنين. إقليميًا ودوليًا، سيؤدي تجدد المواجهات إلى تعقيد المشهد أكثر، مع تدخلات خارجية أوسع، وربما صدامات غير مباشرة بين القوى الإقليمية الداعمة للأطراف المختلفة.

من زاوية تحليلية، يمكن القول إن هذا السيناريو هو الأقل احتمالًا مقارنة بسنوات سابقة، لأن الأطراف تدرك حجم الكلفة الباهظة لأي مواجهة جديدة، ولأن المجتمع الدولي يضغط بقوة لمنع الانزلاق إلى الحرب. لكن في الوقت نفسه، هشاشة الوضع تجعل هذا الاحتمال قائمًا دائمًا، خاصة إذا فشلت المسارات السياسية والاقتصادية في تقديم حلول ملموسة. بمعنى آخر، الحرب ليست الخيار المفضل، لكنها تظل “الخيار الأخير” الذي قد تلجأ إليه الأطراف إذا شعرت بأن مصالحها مهددة أو أن التوازنات القائمة لم تعد تخدمها.

إن عودة المواجهات العسكرية في ليبيا ستكون بمثابة انتكاسة كبرى، ليس فقط للبلاد نفسها، بل للمنطقة بأسرها. فهي ستعيد إنتاج الفوضى، وتفتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع، وتضع المجتمع الدولي أمام أزمة جديدة في المتوسط. لذلك، يبقى هذا السيناريو بمثابة “الخطر الكامن” الذي يجب تجنبه بكل الوسائل، لأنه يحمل في طياته انهيارًا شاملًا يصعب التعافي منه.

المسار الاقتصادي – الاجتماعي
البديل في ظل انسداد الأفق السياسي وتزايد المخاوف من عودة المواجهات العسكرية، يبرز كخيار آخر أقل تقليدية لكنه يحمل إمكانات مهمة: التركيز على المسار الاقتصادي – الاجتماعي كمدخل لتخفيف الأزمة. هذا السيناريو يقوم على فرضية أن تحسين الوضع المعيشي للمواطنين، وضبط إدارة الموارد، يمكن أن يخلقا أرضية أكثر استقرارًا، حتى وإن لم تُحل الأزمة السياسية بشكل جذري.
ملامح هذا السيناريو تتضح في عدة عناصر أساسية. أولها قطاع النفط، الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، حيث يمكن أن يشكل استقرار إنتاجه وتوزيع عائداته عاملًا رئيسيًا في تهدئة التوترات. ثانيها ضبط السوق السوداء للعملة، التي تسببت في أزمات مالية متكررة وأضعفت ثقة المواطنين في المؤسسات الاقتصادية. ثالثها تحسين الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهي ملفات تمس حياة الناس اليومية وتشكل معيارًا رئيسيًا لقياس أداء أي سلطة.

النتائج المحتملة لهذا السيناريو تحمل وعودًا ملموسة: إذا نجحت السلطات في تحسين الوضع الاقتصادي، فإن ذلك سيخفف من حدة السخط الشعبي، ويمنح الليبيين “استراحة” من الانقسام السياسي. كما أن تعزيز دور المؤسسات الاقتصادية يمكن أن يخلق نوعًا من الاستقرار المؤقت، ويؤسس لمرحلة انتقالية أكثر هدوءًا، حتى وإن لم تُحل الأزمة السياسية بشكل كامل. على المستوى الدولي، سيُنظر إلى ليبيا كدولة قادرة على إدارة مواردها بشكل أفضل، ما يعزز فرص الاستثمار والتعاون الاقتصادي.

لكن هذا السيناريو لا يخلو من تحديات. فالمسار الاقتصادي لا يمكن أن يكون بديلًا كاملًا عن الحل السياسي، بل هو مسار موازٍ يخفف من آثار الأزمة دون أن يعالج جذورها. كما أن نجاحه يتطلب قدرًا من التنسيق بين الأطراف المتصارعة، لضمان توزيع عادل للموارد ومنع استخدامها كأداة للابتزاز السياسي. إضافة إلى ذلك، هناك خطر أن يتحول التركيز على الاقتصاد إلى مجرد وسيلة لإطالة أمد الجمود السياسي، بدلًا من الدفع نحو تسوية شاملة.

من زاوية تحليلية، يمكن القول إن هذا السيناريو هو الأكثر واقعية من حيث إمكانية التنفيذ، لأنه لا يتطلب توافقا سياسيا كاملا، بل يركز على ملفات عملية يمكن تحسينها تدريجيا. لكنه في الوقت نفسه هو السيناريو الأقل قدرة على إنهاء الأزمة جذريًا، لأنه لا يعالج مسألة الشرعية السياسية ولا يضع إطارًا دستوريًا للمستقبل. ومع ذلك، يبقى خيارًا مهمًا، لأنه يمنح الليبيين فرصة للتنفس وسط الانقسام، ويؤسس لمرحلة قد تكون أكثر ملاءمة للبحث عن حلول سياسية لاحقة.

ليبيا بين مفترق الطرق
إذا نجحت السلطات في تحسين الوضع الاقتصادي فإن ذلك سيمنح الليبيين “استراحة” من الانقسام السياسي، كما أن تعزيز دور المؤسسات الاقتصادية يمكن أن يخلق نوعا من الاستقرار المؤقت

عند النظر إلى السيناريوهات الأربعة، يتضح أن ليبيا تواجه مجرد أزمة سياسية عابرة، بل أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وبقدرتها على إنتاج شرعية جامعة. استمرار الجمود السياسي يبدو الأكثر واقعية على المدى القصير، لأنه يعكس تمسك الأطراف بمواقعها، لكنه في الوقت نفسه يحمل خطر الانفجار عند أول أزمة أمنية أو اقتصادية. أما التسوية السياسية برعاية دولية، فهي الخيار الأكثر أمانًا على المدى الطويل، لكنها تتطلب توافقا داخليا وإقليميا ودوليًا لم يتبلور بعد بشكل كامل.
في المقابل، يظل سيناريو عودة المواجهات العسكرية قائمًا كخطر كامن، إذ يمكن أن ينفجر الوضع إذا انهارت التفاهمات الهشة أو شعر أحد الأطراف بأن مصالحه مهددة. هذا السيناريو سيكون بمثابة انتكاسة كبرى، ليس فقط لليبيا، بل للمنطقة بأسرها، لأنه سيعيد إنتاج الفوضى ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية أوسع. أما المسار الاقتصادي – الاجتماعي البديل، فهو خيار واقعي يمكن أن يمنح الليبيين فرصة للتنفس وسط الانقسام، لكنه لا يعالج جذور الأزمة السياسية، بل يخفف من آثارها ويؤسس لمرحلة انتقالية أكثر هدوءا.

التحليل الشامل يقودنا إلى نتيجة أساسية: ليبيا تقف أمام مفترق طرق، حيث تتصارع هذه السيناريوهات الأربعة في آن واحد. لا يمكن الجزم بأن أحدها سيحسم المستقبل، لكن يمكن القول إن استمرار الجمود أو الانزلاق إلى المواجهة سيعني تعميق الأزمة، فيما تمثل التسوية السياسية برعاية دولية الخيار الأكثر استدامة، والمسار الاقتصادي – الاجتماعي خيارا موازيا يخفف من الأعباء.

في النهاية، يبقى مستقبل ليبيا رهينًا بقدرة الأطراف على إدراك أن الحل لا يكمن في الحفاظ على مواقع النفوذ أو العودة إلى الحرب، بل في بناء توافق حقيقي يضع مصلحة الشعب فوق الحسابات الضيقة. هذه هي المعادلة الصعبة التي ستحدد ما إذا كانت ليبيا ستظل أسيرة أزماتها، أم أنها ستنجح في فتح صفحة جديدة من تاريخها.

أخبار مرتبطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى